ابن العربي

218

أحكام القرآن

فإن قيل : فقد قال تعالى « 1 » : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، فذكرها لكلّ مطلقة ؟ قلنا : عنه جوابان : أحدهما أنّ المتاع هو كلّ ما ينتفع به ؛ فمن كان لها مهر فمتاعها مهرها ، ومن لم يكن لها مهر فمتاعها ما تقدم . الثاني أنّ إحدى الآيتين حقيقة دون الأخرى ، وذلك بيّن في مسائل الخلاف ، فلينظر هنالك إن شاء اللّه تعالى . الآية الخامسة والسبعون - قوله تعالى « 2 » : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ . فيها ثماني مسائل : المسألة الأولى - هذا القسم هو أحد الأقسام المتقدمة ، وهو مطلّقة قبل المسيس وبعد الفرض ، فلها نصف المفروض واجبا ، كما أنّ للمتقدمة المتعة مستحبّة . المسألة الثانية - إنّ المطلقة قبل المسيس لها نصف المهر ، وإن خلا بها ، ولا تضرّ الخلوة بالمهر ، إلّا أن يقترن بها مسيس في مشهور المذهب ؛ وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : يتقرّر المهر بالخلوة ؛ وظاهر القرآن يدلّ على ما قلناه . فإن قيل : الآية حجّة عليكم ؛ لأنه لو خلا وقبّل ولمس قلتم لا يتقرّر المهر . قلنا : المسيس هاهنا كناية عن الوطء بإجماع ؛ لأنّ عندكم أنه لو خلا ولم يلمس ولا قبّل يتقرر المهر ، ولم يوجد هنا مسّ ولا وطء ؛ وهذا خلاف الآية ومراغمة الظاهر . المسألة الثالثة - لما قسم اللّه تعالى حال المطلقة إلى قسمين ؛ مطلّقة سمّى لها فرض ، ومطلّقة لم يسمّ لها فرض دلّ على أنّ نكاح التفويض جائز ، وهو كلّ نكاح عقد من غير ذكر الصداق ؛ ولا خلاف فيه ، ويفرض بعد ذلك الصداق . فإن فرض التحق بالعقد وجاز ، وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا ، وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق ؛ لأنه لم يجب بالعقد ، وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 241 ( 2 ) الآية السابعة والثلاثون بعد المائتين .