ابن العربي

208

أحكام القرآن

والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، يعنى شرعا ؛ فما وجد من متوفّى عنها زوجها لم تتربّص فليس ذلك من الشرع ، فجرى الخبر على لفظه ، وثبت كلام اللّه سبحانه على صدقه ، كما تقدم في التربّص بالقرء . واللّه أعلم . المسألة الثالثة - التربّص : هو الانتظار ، ومتعلّقه ثلاثة أشياء : النكاح ، والطيب والتنظّف « 1 » ، والتصرف والخروج . أما النكاح ، فإذا وضعت المتوفّى عنها زوجها ولو بعد وفاته بلحظة اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال : الأول أنها قد حلّت . الثاني : أنها لا تحل إلّا بانقضاء الأشهر ؛ قاله ابن عباس . الثالث : أنها لا تحلّ إلّا بعد الطّهر من النفاس ؛ قاله الحسن وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي . وقد كان قول ابن عباس ظاهرا لولا حديث سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد وفاة زوجها بليال ، فقال لها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : قد حللت ، فانكحى من شئت . صحّت رواية الأئمة له . والذي عندي أنّ هذا الحديث لو لم يكن لما صحّ رأى ابن عباس في آخر الأجلين ؛ لأنّ الحمل إذا وضع فقد سقط الأجل بقوله تعالى « 2 » : أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، وسقط المعنى الموضوع لأجله الأجل ، وهو مخافة شغل الرّحم ؛ فأيّ فائدة في الأشهر ؟ وإذا تمت الأشهر وبقي الحمل فليس يقول أحد : إنها تحلّ ؛ وهذا يدلك على أنّ حديث سبيعة جلاء لكلّ غمة ، وعلا على كل رأى وهمة . وأما قول الأوزاعي فيردّه قوله تعالى « 3 » : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ولم يشترط الطهارة . فإن قيل : المراد بقوله تعالى « 4 » : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ المطلقات ؛ لأنه فيهنّ ورد ، وعلى ذكرهنّ انعطف . قلنا : عطفه على المطلّقة لا يسقط عمومه ، ويشهد له ما بينّاه من الحكمة في إيجاب العدّة من براءة الرحم ، وأنها قد وجدت قطعا . المسألة الرابعة - قد يزدحم على الرّحم وطئان فتكون العدّة فيهما أقصى الأجلين في مسائل :

--> ( 1 ) في ا : والشظف ، وهو تحريف . ( 2 - 3 - 4 ) سورة الطلاق ، آية 4