ابن العربي

206

أحكام القرآن

عن حقه بولدها ، أو الإضرار بالولد في الاغتيال « 1 » ونحوه ؛ فإن اختلفوا نظر للصبي ، فإن أوجب النظر أن يسترضع له استرضع ، إذا أعطى المرضع حقّه من أم أو ظئر . المسألة الرابعة عشرة - قال علماؤنا : إذا كانت الحضانة للأمّ في الولد تمادت إلى البلوغ في الغلام وإلى النكاح في الجارية ؛ وذلك حقّ لها ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : إذا عقل ميّز وخيّر بين أبويه ، لما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة أنّ امرأة جاءت إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد نفعني وسقاني من بئر أبى عنبة . فجاء زوجها فقال : من يحاقّنى في ابني ؟ فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا غلام ؛ هذا أبوك ، وهذه أمك ؛ فخذ بيد أيهما شئت . فأخذ بيد أمه . وعند أبي داود أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : استهما عليه . فلما قال زوجها : من يحاقّنى عليه ؟ خيّره النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ؛ فاختار أمّه . وروى أبو داود أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قالت له المرأة : إنّ ابني كان ثديي له سقاء ، وحجري له حواء ؛ وإنّ أباه طلّقنى ، وأراد أن ينتزعه منى . فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنت أحقّ به ما لم تنكحى . وقد ثبت أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير ، والأمّ أحقّ به منها . والمعنى يعضده ؛ فإن الابن قد أنس بها فنقله عنها إضرار به . واللّه أعلم . المسألة الخامسة عشرة - معضلة ، قال مالك : كلّ أمّ يلزمها رضاع ولدها بما أخبر اللّه تعالى من حكم الشريعة فيها ، إلا أنّ مالكا - دون فقهاء الأمصار - استثنى الحسيبة « 2 » ، فقال : لا يلزمها إرضاعه ، فأخرجها من الآية ، وخصّها فيها بأصل من أصول الفقه ، وهو العمل بالمصلحة ، وهذا فنّ لم يتفطّن له مالكي . وقد حققناه « 3 » في أصول الفقه . والأصل البديع فيه هو أنّ هذا أمر كان في الجاهلية في ذوى الحسب ، وجاء الإسلام عليه فلم يغيّره ؛ وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء إلى المراضع إلى زمانه ، فقال به ، وإلى زماننا ؛ فحقّقناه شرعا .

--> ( 1 ) الاغتيال : الغيل : أن ترضع المرأة ولدها على حبل . ( 2 ) في ا : الحسبية . ( 3 ) في ا : وقد حققنا .