ابن العربي
183
أحكام القرآن
المنبر ، وأنا لعظم الجياء لا اعرف في أي بقعة أنا من الأرض ، والجامع غاصّ بأهله ، وأسال الحياء بدني عرفا ، وأقبل الشيخ على الخلق ، فقال لهم : أنا معلّمكم ، وهذا معلّمى ؛ لمّا كان بالأمس قلت لكم : آلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وطلّق ، وظاهر ؛ فما كان أحد منكم فقه عنى ولا ردّ علىّ ، فاتّبعنى إلى منزلي ، وقال لي كذا وكذا ؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه ، وأنا تائب عن قولي بالأمس ، وراجع عنه إلى الحقّ ؛ فمن سمعه ممّن حضر فلا يعوّل عليه ، ومن غاب فليبلّغه من حضر ؛ فجزاه اللّه خيرا ؛ وجعل يحفل في الدعاء ، والخلق يؤمّنون . فانظروا رحمكم اللّه إلى هذا الدّين المتين ، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ من رجل ظهرت رئاسته ، واشتهرت نفاسته ، لغريب مجهول العين لا يعرف من ولا من أين ، فاقتدوا به ترشدوا . المسألة السادسة عشرة - قوله تعالى : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : يقتضى أنه قد تقدم ذنب ، وهو الإضرار بالمرأة في المنع من الوطء ، ولأجل هذا قلنا : إنّ المضارّة دون يمين توجب من الحكم ما يوجب اليمين إلّا في أحكام المرأة . واللّه أعلم . الآية السادسة والستون - قوله تعالى « 1 » : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . هذه الآية من أشكل آية في كتاب اللّه تعالى من الأحكام ، تردّد فيها علماء الإسلام ، واختلف فيها الصحابة قديما وحديثا ، ولو شاء ربّك لبيّن طريقها وأوضح تحقيقها ، ولكنه وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود بالرّفع فيها ؛ وقد أطال الخلق فيها النفس ، فما استضاءوا بقبس ، ولا حلّوا عقدة الجلس « 2 » ؛ والضابط لأطرافها ينحصر في إحدى عشرة مسألة : المسألة الأولى - ينظمها ثلاثة فصول :
--> ( 1 ) الآية الثامنة والعشرون بعد المائتين . ( 2 ) الجلس : المجلس . وفي ا : الحلس ، والحلس : مسح تجلل به الدابة .