ابن العربي

171

أحكام القرآن

على الاغتسال في الجملة ؛ فأىّ فرق بين اللفظين أو المسألتين ؟ ويدلّ عليهما من طريق المعنى أن نقول : الحيض معنى يمنع الصوم ؛ فكان الطهر الوارد فيه محمولا على جميع الجسد أصله الجنابة . وأما داود فإنا لم نراع خلافه ؛ لأنه إن كان يقول بخلق القرآن ويضلّل أصحاب محمد في استعمالهم القياس كفّرناه ؛ فإن راعينا إشكال سؤاله قلنا : هذا الكلام هو عكس الظاهر ؛ لأن اللّه تعالى قال : حَتَّى يَطْهُرْنَ وهذا ضمير النساء ؛ فكيف يصحّ أن يسمع اللّه تعالى يقول حَتَّى يَطْهُرْنَ فيقول : إنّ وطأها جائز ، مع أنّ الطهارة عليها واجبة ؛ فيبيح الوطء قبل وجود غايته التي علّق جواز الوطء عليها . واعتبر ذلك بعطف قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ؛ على قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ تجده صحيحا ؛ فإن كان المراد اعتزلوا جملة المرأة كان قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ عامّا فيها ، فيكون قوله تعالى : حَتَّى يَطْهُرْنَ راجعا إلى جملتها ، وإن كان المراد بقوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا أسفلها من السرّة إلى الركبة وجب عليه أن يقول : حتى يطهر ذلك الموضع كلّه ؛ ولا يصح له ؛ لأنه كان نظام الكلام لو أراد ذلك حتى يطهّرنه ، وكذلك لو كان المراد فاعتزلوا الفرج سواء بسواء . فإن قيل : قال اللّه تعالى : قُلْ هُوَ أَذىً ، فإذا زال الأذى جاز الوطء . قلنا : عنه جوابان : أحدهما - أنه لو كان الاعتبار بزوال الأذى ما وجب غسل الفرج عندك ، لأنّ الأذى قد زال بالجفوف أو القصّة البيضاء « 1 » ، فغسل الفرج إذ ذاك يكون وقد زالت العلّة [ 87 ] ولم يبق له أثر ، فلا فائدة فيه ، فدلّ أنّ الاعتبار بحكم الحيض لا بوجوده . الثاني - أنه علّل بكونه أذى ، ثم منع القربان حتى تكون الطهارة من الأذى ، وهذا بيّن . المسألة الثامنة عشرة - قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ . معناه فجيئوهن ، أو يكون ذلك كناية عن الوطء ، كما كنّى عنه بالملامسة في قول ابن عباس : إنّ اللّه حيىّ كريم يعفو ويكنى ، كنّى باللمس عن الجماع .

--> ( 1 ) القصة البيضاء : أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها الحائض كأنها قصة لا يخالطها صفرة . وقيل : القصة : شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله ( النهاية ) .