ابن العربي
168
أحكام القرآن
تطهّرت المرأة بمعنى انقطع دمها . وإذا لم يجز استعماله في مسألتنا لم يقع استعماله في غيرها ، وهذه نكتة بديعة من المجاز ؛ وذلك أنه إنما يحمل اللّفظ [ 85 ] على الشيء إذا كان مستعملا على سبيل المجاز . وأما « 1 » مجاز استعمل في موضع آخر فلا يجوز أن يجعل طريقا إلى تأويل اللفظ فيما لم يستعمل فيه ؛ وفي ذلك الموضع إنما حملناه على ذلك للضرورة ، وهو أنّ الجمادات « 2 » لا توصف بالاكتساب للأفعال وتكلّفها ، ولذلك « 3 » يستحيل في صفات اللّه تعالى وفي أفعاله التكلّف ، فحمل اللفظ على ما وضع له من أجل الضرورة ، وهذا لا يوجب خروجه عن مقتضاه لغير ضرورة . وهذا جواب القاضي أبى الطيب الطبري . جواب ثالث - قال تعالى في آخر الآية : وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، فمدحهنّ وأثنى عليهن ، فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح ؛ لأنه من غير عملهنّ ، والباري - سبحانه - قد ذمّ على مثل هذا فقال « 4 » : وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا . فإن قيل : هذا ابتداء كلام ، وليس براجع إلى ما تقدّم ، بدليل قوله تعالى : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، ولم يجر للتوبة ذكر . قلنا : سيأتي الجواب عنه إن شاء اللّه . جواب رابع عن أصل السؤال - وهو قولهم : إنما حملنا الآية على هذا كما قد حفظنا موجب الغاية ومقتضاها ، فهذا لو اقتصر على الغاية ، فأما إذا قرن بها الشرط فذلك لا يلزم كما تقدّم . جواب خامس - وهو أنّا نقول : إن كنّا نحن قد تركنا موجب الغاية فقد حملتم أنتم اللفظ على التكرار ، فتركتم فائدة عوده ، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة لم يحمل على التكرار في كلام الناس ، فكيف كلام العليم الحكيم ؟ جواب سادس - ليس حملكم قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ على قوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ بأولى من حملنا قوله تعالى : حَتَّى يَطْهُرْنَ على قوله : فَإِذا تَطَهَّرْنَ ؛ فوجب أن يقرن كل لفظ منه على مقتضاه ؛ هذا جواب أبي إسحاق الشيرازي .
--> ( 1 ) في ا : فأما . ( 2 ) في ا : الجماعات . ( 3 ) في ل : وذلك . ( 4 ) سورة آل عمران ، آية 188