ابن العربي

164

أحكام القرآن

وأما من قال : افعلوا كلّ شيء إلا النكاح ، فمعناه الإذن في الجماع ؛ ولم يبين محلّه ، وقوله : شأنك بأعلاها ، بيان لمحلّه . المسألة الحادية عشرة - قوله تعالى : النِّساءَ فذكرهنّ بالألف واللام المحتملة للجنس والعهد ، وقد بيّنا حكمها في أصول الفقه ، فإن حملتها على العهد صحّ ؛ لأن السؤال وقع عن معهود من الأزواج ، فعاد الجواب [ 83 ] عليه طبقا ، وإن حملتها على الجنس جاز ويكون الجواب أعمّ من السؤال ، فيكون قوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ عامّا في كل امرأة زوجا أو غير زوج ، خاصا في حال الحيض ، وتكون الزوجة محرّمة في حال الحيض بالحيض ، وتكون الأجنبيات محرمات في حال الحيض بالأجنبية وبالحيض جميعا ، ويتعلق التحريم بالعلتين ، وقد بيّنا في أصول الفقه ومسائل الخلاف جواز تعلق الحكم الشرعىّ بعلّتين . المسألة الثانية عشرة : فِي الْمَحِيضِ ، وهو مرتّب على الأول في جميع وجوهه ، فاعتبره بما فيه . المسألة الثالثة عشرة - قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ . سمعت فخر الإسلام أبا بكر محمد بن أحمد الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل لا تقرب - بفتح الراء - كان معناه لا تلبّس بالفعل ، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه . وأما مورده فهو مورد فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ ، وهو محمول عليه في جميع وجوهه ، لكن بإضمار بعد إضمار ، كقولك مثلا : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، أي في مكان الحيض ، ولا تقربوهن فيه ، وركّبوا عليها باقيها . المسألة الرابعة عشرة - قوله تعالى : حَتَّى يَطْهُرْنَ . حتى بمعنى الغاية ، وهو انتهاء الشيء وتمامه ، وفرق بينهما وبين القاطع للشيء قبل تمامه كثير ، مثاله أنّ الليل ينتهى بإقباله الصوم ، وبالسلام تنتهي الصلاة ، وبوطء الزوج الثاني ينتهى تحريم النكاح على الزوج الأول كما تقدم بيانه في سورة البقرة ، وتحقيقه في مسائل الخلاف . المسألة الخامسة عشرة - في حكم الغاية ، وهو أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها ، وقد تردد في ذلك علماؤنا ، والمسألة مشكلة جدّا ، وقد بيناها في موضعها من أصول الفقه ، واللّه أعلم .