ابن العربي
151
أحكام القرآن
قال قوم من المبتدعة : ما فيها من منفعة البدن ؛ لحفظ الصحة القائمة أو جلب الصحة الفانية بما تفعله من تقوية المعدة وسريانها في الأعصاب « 1 » والعروق ، وتوصّلها إلى الأعضاء الباطنة الرئيسية ، وتجفيف الرطوبة ، وهضم الأطعمة الثّقال وتلطيفها . والصحيح أنّ المنفعة هي الربح ؛ لأنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح كثير . وأما اللذة فهي مضرّة عند العقلاء ؛ لأنّ ما تجلبه من اللذة لا يفي بما تذهبه من التحصيل والعقل ، حتى إنّ العبيد الأدنياء وأهل النقص كانوا يتنزّهون عن شربها لما فيها من إذهاب شريف العقل ، وإعدامها فائدة التحصيل والتمييز . وأما منفعة إصلاح البدن فقد بالغ فيها الأطبّاء حتى إني تكلّمت يوما مع بعضهم في ذلك ، فقال لي : لو جمع سبعون عقارا ما وفى بالخمر في منافعها ، ولا قام في إصلاح البدن مقامها . وهذا مما لا نشتغل به لوجهين : أحدهما - أنّ الذين نزل تحريم الخمر عليهم لم يكونوا يقصدون به التداوي حتى نعتذر عن ذلك لهم . الثاني - أنّ البلاد التي نزل أصل تحريم الخمر فيها كانت بلاد جفوف وحرّ ؛ وضرر الخمر فيها أكثر من منفعتها ؛ وإنما يصلح الخمر عند الأطباء للأرياف والبطاح والمواضع الرطبة ، وإن كانت فيها منفعة من طريق البدن ففيها مضرّة من طريق الدّين ، والباري تعالى قد حرّمها مع علمه بها فقدرها كيف شئت ، فإنّ خالقها ومصرفها قد حرّمها . وقد روى مسلم « 2 » عن طارق بن سويد الجعفىّ أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الخمر فنهاه وكره أن يصنعها . قال : إنما أصنعها للدواء . قال : ليس بدواء ، ولكنه داء . وروى « 3 » أيضا عن أنس أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الخمر : أتتّخذ خلّا ؟ قال : لا . وروى ذلك عن جماعة . فإن قيل : وكيف يجوز أن يرد الشرع بتحريم ما لا غنى عنه ولا عوض منه ؟ هذا مناقض للحكمة . فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) في ل : في الأعضاء . ( 2 - 3 ) صحيح مسلم : 1573