ابن العربي
119
أحكام القرآن
وابتدأ بإيجاب الحج فقال تعالى « 1 » : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها ، فلو حجّ عشر حجج أو اعتمر عشر عمر لزمه الإتمام في جميعها ؛ وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء ، وقد مهّدنا القول فيها في مسائل الخلاف . المسألة الخامسة - قوله تعالى : لِلَّهِ . الأعمال كلّها للّه ، خلق وتقدير ، وعلم وإرادة ، ومصدر ومورد ، وتصريف وتكليف ؛ وفائدة هذا التخصيص أنّ العرب كانت تقصد الحجّ للاجتماع والتظاهر ، والتناضل « 2 » والتنافر ، والتفاخر وقضاء الحوائج ، وحضور الأسواق ؛ وليس للّه فيه حظّ يقصد ، ولا قربة تعتقد ؛ فأمر اللّه سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقّه ، ثم سامح في التجارة على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه . المسألة السادسة - قوله : الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ . روى عن ابن عباس أنه قرأ « والعمرة » بالرفع للهاء ، وحكى « 3 » قوم أنه إنما فرّ من فرض العمرة ؛ وهذا لا يصحّ من وجهين : أحدهما - أنّ القراءة ينبنى عليها المذهب ، ولا يقرأ بحكم المذهب . الثاني - أنّا قد بيّنا أنّ النّصب لا يقتضى ابتداء الفرض ، فلا معنى لقراءة الرفع إلّا على رأى من يقول : يقرأ بكل لغة ، وقد بيّنا ذلك في موضعه من القسم الأول من علوم القرآن . المسألة السابعة - قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ . هذه آية « 4 » مشكلة عضلة من العضل ، فيها قولان : أحدهما - منعتم بأىّ عذر كان ؛ قاله مجاهد ، وقتادة ، وأبو حنيفة . الثاني - [ منعتم ] « 5 » بالعدوّ خاصة ؛ قاله ابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ، والشافعي ؛ وهو اختيار علمائنا ، ورأى أكثر « 6 » أهل اللغة ومحصّليها على أنّ أحصر عرّض للمرض ، وحصر نزل به الحصر « 7 » . وقد اتفق علماء الإسلام على أنّ الآية نزلت سنة ستّ في عمرة الحديبية
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 97 ( 2 ) في ا : والتناصر . ( 3 ) في ا : وظن . ( 4 ) في ا : مسألة . ( 5 ) من ل . ( 6 ) في ا : كبراء ، وهو تحريف . ( 7 ) الحصر : المنع والحبس . وفي القرطبي : نزل به العدو .