ابن العربي

113

أحكام القرآن

والذي أقول فيه : إنّ الثاني كالأول في المعنى واللفظ ؛ لأن معنى الاعتداء في اللغة مجاوزة الحدّ ، وكلا المعنيين موجود في الأول والثاني ؛ وإنما اختلف المتعلّق من الأمر والنهى ؛ فالأول منهىّ عنه ، والثاني مأمور به ، وتعلّق الأمر والنهى لا يغيّر الحقائق ولا يقلب المعاني ؛ بل إنه يكسب ما تعلّق به الأمر وصف الطاعة والحسن ، ويكسب ما تعلق به النهى وصف المعصية والقبح ؛ وكلا الفعلين مجاوزة الحدّ ، وكلا الفعلين يسوء الواقع به ، وأحدهما حقّ والآخر باطل . المسألة الرابعة - تعلّق علماؤنا بهذه الآية في مسألة من مسائل الخلاف ؛ وهي المماثلة في القصاص ، وهو متعلّق صحيح وعموم صريح ؛ وقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : الأول - أنه لا قود إلّا بحديدة ؛ قاله أبو حنيفة وغيره ، واحتجّوا بالحديث « 1 » : إنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لا قود إلّا بحديدة ولا قود إلّا بالسيف . الثاني - أنه يقتصّ منه بكلّ ما قتل إلّا الخمر وآلة اللواط ، قاله الشافعي . الثالث - قال علماؤنا : يقتل بكلّ ما قتل إلّا في وجهين وصفتين : أما الوجه الأول فالمعصية كالخمر واللواط ، وأما الوجه الثاني فالسمّ والنار لا يقتل بهما . قال علماؤنا : لأنه من المثل ؛ ولست أقوله ؛ وإنما العلّة فيه أنه من العذاب . وقد بلغ ابن عبّاس أنّ عليّا حرق ناسا ارتدّوا عن الإسلام ؛ فقال ابن عباس : لم أكن لأحرقهم بالنار ؛ لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تعذّبوا بعذاب اللّه ، ولقتلتهم لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : من بدّل دينه فاقتلوه . وهو الصحيح . والسمّ نار باطنة نعوذ باللّه من النارين ، ونسأل اللّه تعالى الشهادة في سبيله . وأما الوصفان فروى ابن نافع عن مالك : إن كانت الضربة بالحجر مجهزة قتل بها ، وإن كانت ضربات فلا . وقال مالك أيضا : ذلك إلى الولىّ . وروى ابن وهب يضرب بالعصا حتى يموت : ولا يطول عليه . وقاله ابن القاسم . وقال أشهب : إن رجى أن يموت بالضرب ضرب ، وإلا أقيد منه بالسيف .

--> ( 1 ) في ا : بهذا الحديث . والمثبت من ل .