ابن العربي
104
أحكام القرآن
المسألة الرابعة - لما أقام النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو عشرة أعوام أو ثلاثة عشر عاما أو خمسة عشر عاما على اختلاف الروايات في مدّة مقامه بمكة ، ثم تعيّن القتال بعد ذلك ، سقط فرض الدعوة إلّا على الذين لم تبلغهم ، وبقيت مستحبّة . فأما الآن فقد بلغت الدعوة وعمّت وظهر العناد ، ولكن الاستحباب لا ينقطع . روى مسلم وغيره أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ادعهم إلى ثلاث خصال ، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فذكر الدعاء إلى الشهادة ، ثم إلى الهجرة أو إلى الجزية ، وهذا إنما كان بعد نزول آية الجزية ؛ وذلك بعد الفتح . وصحّ أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أغار على بنى المصطلق من خزاعة وهم غارّون فقتل وسبى ، فعلم صلى اللّه عليه وسلم [ 56 ] الجائز والمستحب . المسألة الخامسة - قوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا . فيها ثلاثة أوجه : أحدها - لا تقتلوا من لم يقاتل ، وعلى هذا تكون الآية منسوخة بقوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، و « 1 » فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . الثاني - أنّ معنى قوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا ؛ أي لا تقاتلوا على غير الدين ، كما قال تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ؛ يعنى دينا . الثالث - ألا يقاتل إلّا من قاتل ، وهم الرجال البالغون ؛ فأما النساء والولدان والرهبان [ والحشوة ] « 2 » فلا يقتلون ؛ وبذلك أمر أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلّا أن يكون لهؤلاء إذاية . وفيه « 3 » ستّ صور : الأولى - النساء « 4 » ، قال علماؤنا : لا تقتلوا النساء إلّا أن يقاتلن ؛ لنهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قتلهن . خرّجه البخارىّ ومسلم والأئمة ، وهذا ما لم يقاتلن ، فإن قاتلن قتلن . قال سحنون : في حالة المقاتلة . والصحيح جواز قتلهن ، إذا قاتلن على الإطلاق في حالة المقاتلة وبعدها لعموم قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ، وقوله تعالى « 5 » : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ،
--> ( 1 - 2 ) ليس في م . ( 3 ) في ا : وفهم ست صور ، وهو تحريف . ( 4 ) في هامش م هنا : مسألة في قتل النساء . ( 5 ) سورة البقرة ، آية 191