ابن عطية الأندلسي
97
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 15 إلى 16 ] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء : « هي تسمية العقوبة باسم الذنب » . والعرب تستعمل ذلك كثيرا ، ومنه قول الشاعر [ عمرو بن كلثوم ] : [ الوافر ] . ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال قوم : إن اللّه تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزو حسبما يروى أن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم ، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج ، نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن ، وقال قوم : استهزاؤه بهم هو استدراجهم من حيث لا يعلمون ، وذلك أنهم بدرور نعم اللّه الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم ، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء . وَيَمُدُّهُمْ معناه يزيدهم في الطغيان . وقال مجاهد : « معناه يملي لهم » ، قال يونس بن حبيب : « يقال مد في الشر وأمد في الخير » وقال غيره : « مد الشيء ومده ما كان مثله ومن جنسه ، وأمدّه ما كان مغايرا له ، تقول : مدّ النهر ومدّه نهر آخر ، ويقال أمدّه » . قال اللحياني : « يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدّا ، وفي التنزيل : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [ لقمان : 27 ] . ومادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة » . قال ابن قتيبة وغيره : « مددت الدواة وأمددتها بمعنى » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : يشبه أن يكون « مددتها » جعلت إلى مدادها آخر ، و « أمددتها » جعلتها ذات مداد ، مثل « قبر ، وأقبر ، وحصر ، وأحصر » ، ومددنا القوم صرنا لهم أنصارا ، وأمددناهم بغيرنا . وحكى اللحياني أيضا أمدّ الأمير جنده بالخيل ، وفي التنزيل : وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [ الإسراء : 6 ] . قال بعض اللغويين : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يمهلهم ويلجهم . قال القاضي أبو محمد : فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل والتطويل ، كما فسر في : عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [ الهمزة : 9 ] . ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان ، والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال : « طغا الماء وطغت النار » . وروي عن الكسائي إمالة طغيانهم . و يَعْمَهُونَ يترددون حيرة ، والعمة الحيرة من جهة النظر ، والعامة الذي كأنه لا يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم . وقوله : أُولئِكَ إشارة إلى المتقدم ذكرهم ، وهو رفع بالابتداء و الَّذِينَ خبره ، و اشْتَرَوُا