ابن عطية الأندلسي
91
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين . وقد قال الشاعر : [ الكميت ] [ الطويل ] . تذكر من أنّى ومن أين شربه * يؤامر نفسيه كذي الهجمة الإبل وأنشد ابن الأعرابي : [ المنسرح ] لم تدر ما لا ولست قائلها * عمرك ما عشت آخر الأبد ولم تؤامر نفسيك ممتريا في * ها وفي أختها ولم تكد وقال الآخر : يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة * أيستوتغ الذوبان أم لا يطورها وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي : [ الطويل ] وكنت كذات الضنء لم تدر إذ بغت * تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني ووجه قراءة عاصم ومن ذكر ، أن ذلك الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها ، تقول : « خادعت الرجل » بمعنى أعملت التحيل عليه ، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد ، والمصدر « خدع » بكسر الخاء وخديعة ، حكى ذلك أبو زيد . فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم وفيها . ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [ الأعراف : 155 ] أي من قومه وإما أن يكون « يخدعون » أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم ، ونحوه قول اللّه تعالى : لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك ، ومنه قوله تعالى : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [ النازعات : 18 ] وإنما يقال هل لك في كذا ، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن ، وهو باب سني من فصاحة الكلام ، ومنه قول الفرزدق : [ الرجز ] . كيف تراني قالبا مجني * قد قتل اللّه زيادا عنّي لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف . ومنه قول الآخر : [ نحيف العامري ] : [ الوافر ] إذا رضيت عليّ بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاها لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي . وأما الكسائي فقال في هذا البيت : « وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها » . ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع ، إذ هو مصير إلى عذاب اللّه . قال الخليل : « يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة ، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة » .