ابن عطية الأندلسي

88

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقرأ الزهري وابن محيصن « أنذرتهم » بحذف الهمزة الأولى ، وتدل أَمْ على الألف المحذوفة ، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها ، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء . والإنذار إعلام بتخويف ، هذا حده ، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين . قال اللّه عزّ وجل : فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] وقال : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [ النساء : 40 ] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه . وقوله تعالى : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه الخبر ، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام ، ألا ترى أنك إذا قلت مخبرا سواء عليّ أقعدت أم ذهبت ، وإذا قلت مستفهما أخرج زيد أم قام ، فقد استوى الأمران عندك ، هذان في الخبر ، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه ، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام ، وكل استفهام تسوية ، وإن لم تكن كل تسوية استفهاما . وقوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ مأخوذ من الختم وهو الطبع ، والخاتم الطابع ، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة ، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا . وقال آخرون : ذلك على المجاز ، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما . وقال آخرون ممن حمله على المجاز : « الختم هنا أسند إلى اللّه تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده ، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه » . وقرأ الجمهور : وَعَلى سَمْعِهِمْ . وقرأ ابن أبي عبلة : « وعلى أسماعهم » ، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير ، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد ، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه . والغشاوة الغطاء المغشي الساتر ، ومنه قول النابغة : [ البسيط ] هلا سألت بني ذبيان ما حسبي * إذا الدخان تغشى الأشمط البرما وقال الآخر : [ الحارث بن خالد المخزومي ] : [ الطويل ] تبعتك إذ عيني عليها غشاوة * فلما انجلت قطعت نفسي ألومها ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره . وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه « غشاوة » بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة ، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع ، والغشوة على الأبصار ، والوقف على قوله وَعَلى سَمْعِهِمْ .