ابن عطية الأندلسي
84
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقرأ الزهري ، وابن محيصن ، ومسلم بن جندب ، وعبيد بن عمير : « فيه » بضم الهاء ؛ وكذلك « إليه » و « عليه » و « به » و « نصله » ونوله وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل . وقرأ ابن إسحاق : « فيهو » ضم الهاء ووصلها بواو . و هُدىً معناه رشاد وبيان ، وموضعه ، من الإعراب رفع على أنه خبر ذلِكَ ، أو خبر ابتداء مضمر ، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله ، ويصح أن يكون موضعه نصبا على الحال من ذلك ، أو من الكتاب ، ويكون العامل فيه معنى الإشارة ، أو من الضمير في فِيهِ ، والعامل معنى الاستقرار ؛ وفي هذا القول ضعف . وقوله لِلْمُتَّقِينَ اللفظ مأخوذ من وقى ، وفعله اتّقى ، على وزن افتعل ، وأصله « للموتقيين » استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء ، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء ، وأدغمت التاء في التاء فصار لِلْمُتَّقِينَ . والمعنى : الذين يتقون اللّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه ، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب اللّه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) يُؤْمِنُونَ معناه يصدقون ويتعدى بالباء ، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [ آل عمران : 73 ] وكما قال : فَما آمَنَ لِمُوسى [ يونس : 83 ] وبين التعديتين فرق ، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعدّ بالباء يفهم من المعنى . واختلف القراء في همز يُؤْمِنُونَ فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يهمزون « يؤمنون » وما أشبه ، مثل يأكلون ، ويأمرون ، ويؤتون ؛ وكذلك مع تحرك الهمزة مثل « يؤخركم » و « يئوده » إلا أن حمزة كان يستحب ترك الهمز إذا وقف ، والباقون يقفون بالهمز . وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك . وقد روي عن عاصم أنه لم يكن يهمز الهمزة الساكنة . وكان أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة ، إلا أنه كان يهمز حروفا من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء اللّه . وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل ننسأها [ البقرة : 105 ] وَهَيِّئْ لَنا [ الكهف : 8 ] وما أشبهه . وقوله : بِالْغَيْبِ قالت طائفة : معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا ، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا . وقال آخرون : معناه يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع . واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك ، فقالت فرقة : « الغيب في هذه الآية هو اللّه عزّ وجل » وقال آخرون : « القضاء والقدر » وقال آخرون : « القرآن وما فيه من الغيوب » وقال آخرون : « الحشر والصراط والميزان والجنة والنار » . قال القاضي أبو محمد : وهذه الأقوال لا تتعارض ، بل يقع الغيب على جميعها ، والغيب في اللغة : ما غاب عنك من أمر ، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله .