ابن عطية الأندلسي

72

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ومن أنحاء اللفظة الدين الحال . قال النضر بن شميل : « سألت أعرابيا عن شيء فقال لي لو لقيتني على دين غير هذه لأخبرتك » . ومن أنحاء اللفظة الدين الداء ، عن اللحياني وأنشد : [ البسيط ] ما دين قلبك من سلمى وقد دينا قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو ، فلم يبق إلا قول اللحياني . وقوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ . نطق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة اللّه ، إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك ، وقدم المفعول على الفعل اهتماما ، وشأن العرب تقديم الأهم . ويذكر أن أعرابيا سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه ، فقال له السابّ : « إياك أعني » فقال الآخر : « وعنك أعرض » فقدّما الأهم . وقرأ الفضل الرقاشي : « أياك » بفتح الهمزة ، وهي لغة مشهورة وقرأ عمرو بن فائد : « إياك » بكسر الهمزة وتخفيف الياء ، وذاك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها ، وهذا كتخفيف « رب » و « إن » وقرأ أبو السوار الغنوي : « هيّاك نعبد وهيّاك نستعين » بالهاء ، وهي لغة . واختلف النحويون في إِيَّاكَ * فقال الخليل : إيّا اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف ، وحكي عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وايا الشواب . وقال المبرد : إيّا اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف ، وحكى ابن كيسان عن بعض الكوفيين أنّ إِيَّاكَ * بكماله اسم مضمر ، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره ، وحكي عن بعضهم أنه قال : الكاف والهاء والياء هي الاسم المضمر ، لكنها لا تقوم بأنفسها ولا تكون إلا متصلات ، فإذا تقدمت الأفعال جعل « إيّا » عمادا لها . فيقال « إياك » و « إياه » و « إيّاي » ، وإذا تأخرت اتصلت بالأفعال واستغني عن « ايا » . وحكي عن بعضهم أن أيا اسم مبهم يكنى به عن المنصوب ، وزيدت الكاف والياء والهاء تفرقة بين المخاطب والغائب والمتكلم ، ولا موضع لها من الإعراب فهي كالكاف في ذلك وفي أرأيتك زيدا ما فعل . و نَعْبُدُ معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة ، والطريق المذلل يقال له معبد ، وكذلك البعير . وقال طرفة : [ الطويل ] . تباري عتاق الناجيات وأتبعت * وظيفا وظيفا فوق مور معبد وتكررت إِيَّاكَ * بحسب اختلاف الفعلين ، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد واهتمام . و نَسْتَعِينُ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا ، وهذا كله تبرؤ من الأصنام . وقرأ الأعمش وابن وثاب والنخعي : « ونستعين » بكسر النون ، وهي لغة لبعض قريش في النون والتاء والهمزة ولا يقولونها في ياء الغائب وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو فيما يأتي من الثلاثي على فعل يفعل