ابن عطية الأندلسي

64

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

« الرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة » . وقال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به اللّه تعالى ، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] وهذه كلها أقوال تتعاضد . وقال عطاء الخراساني : « كان الرحمن فلما اختزل وسمي به مسيلمة الكذاب قال اللّه - سبحانه - لنفسه : « الرحمن الرحيم » فهذا الاقتران بين الصفتين ليس لأحد إلا للّه تعالى » وهذا قول ضعيف ، لأن بسم اللّه الرحمن الرحيم كان قبل أن ينجم أمر مسيلمة . وأيضا فتسمي مسيلمة بهذا لم يكن مما تأصل وثبت . وقال قوم : إن العرب كانت لا تعرف لفظة الرحمن ، ولا كانت في لغتها ، واستدلوا على ذلك بقول العرب : « وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا » وهذا القول ضعيف ، وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له ، لا على نفس اللفظة . واختلف في وصل الرحيم بالحمد ، فروي عن أم سلمة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم الرحيم الحمد تسكن الميم ويوقف عليها ويبتدأ بألف مقطوعة ، وقرأ به قوم من الكوفيين ، وقرأ جمهور الناس الرحيم الحمد يعرب الرحيم بالخفض ، وتوصل الألف من الحمد ، ومن شاء أن يقدر أنه أسكن الميم ثم لما وصل حركها للالتقاء ولم يعتد بألف الوصل فذلك سائغ ، والأول أخصر . وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف كأنها سكنت الميم وقطعت الألف ، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت ، ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت ، وهذا هو نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى : ألم اللَّهُ .