ابن عطية الأندلسي
6
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وما أوجز في موضع بسط في موضع آخر . وما أجمل في مكان بيّن في آخر . وما جاء مطلقا في آية قد يلحقه التقييد في أخرى . وما كان عاما في مكان قد يدخله التخصيص في مكان آخر . من هنا : كان على من يفسر القرآن الكريم أن يرجع إلى القرآن أولا ، يبحث فيه عن تفسير ما يريد ، فيقابل الآيات بعضها ببعض ، ويستعين بما جاء مسهبا ليعرف به ما جاء موجزا ، وبالمبين ليفهم به المجمل ، ويحمل المطلق على المقيد ، والعام على الخاص . ولا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن يتخطى هذا التفسير القرآني . أمثلة لتفسير القرآن بالقرآن . أ - حمل المجمل على المبين ليبين به : - قال تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [ البقرة : 27 ] . فسرتها آية الأعراف ( 23 ) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وقال تعالى في سورة المائدة [ آية : 1 ] : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ . . . فسرتها [ آية : 3 ] من السورة نفسها : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ . . . الآية . ب - حمل المطلق على المقيد : - وقد مثلوا لذلك بآية الوضوء والتيمم ، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية في قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [ المائدة : 6 ] ومطلقة في التيمم في قوله تعالى - في الآية نفسها - فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ . . . فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا . - ومنه في كفارة الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ . . . [ المجادلة : 3 ] . وفي كفارة القتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فيحمل المطلق في الأولى على المقيد في الثانية . ت - حمل العام على الخاص : - ومنه : نفي الخلة والشفاعة على جهة العموم في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ . . . [ البقرة : 254 ] . فقد استثنى اللّه المتقين من نفي الخلة في قوله الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم : 26 ] . - وقال تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 23 ] .