ابن عطية الأندلسي

496

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وليس هو للقوم ذوي الحرث لأنهم لم يذكروا ليرد عليهم ، ولا ليبين ظلمهم وأيضا فقوله : وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ، يدل على فعل الحال في حاضرين . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 118 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) نهى اللّه تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم ، وقوله : مِنْ دُونِكُمْ يعني من دون المؤمنين ، ولفظة « دون » تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام ، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان ، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم اللّه ، وقوله : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم ، تقول : ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير : جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم * فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا أي لم يقصروا ، والخبل والخبال : الفساد ، وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالا من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية ، فنزلت الآية في ذلك ، وقال أيضا ابن عباس وقتادة والربيع والسدي : نزلت في المنافقين : نهى اللّه المؤمنين عنهم ، وروى أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا فسره الحسن بن أبي الحسن ، فقال أراد عليه السلام ، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم ( محمدا ) . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم ، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه ، وتلا عليه هذه الآية ، وقيل لعمر : إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم ، أفلا يكتب عنك ؟ فقال : إذا أتخذ بطانة من دون المؤمنين ، و ما في قوله ، ما عَنِتُّمْ مصدرية ، فالمعنى : وَدُّوا عنتكم ، و « العنت » : المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت : أي شاقة ، وقوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ [ النساء : 35 ] معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي : معناه « ودوا » ما ضللتم ، وقال ابن جريج : المعنى « ودوا » أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي ، وقوله تعالى : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني بالأقوال ، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه ، معناه : أن يفتح فاه به يقال شحى الحمار فاه