ابن عطية الأندلسي
470
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
مجاهد : معنى قوله ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي تموا على كفرهم وبلغوا الموت به ، فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون ، وقال السدي نحوه ، ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل ، وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل ، سواء كفر بعد إيمان وازداد كفرا ، أو كان كافرا من أول أمره ، فلا بد في هذه الآية من تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوبة فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي : نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة ، فالمعنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عند المعاينة ، وقال أبو العالية : معنى الآية : لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان : نحن نتوب من هذه الأفعال ، وهم مقيمون على كفرهم ، فأخبر اللّه تعالى ، أنه لا يقبل تلك التوبة . قال الفقيه الإمام : وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم اللّه عليهم بالكفر ، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في الدين ، وهم الذين أشار إليهم بقوله كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [ آل عمران : 86 ] فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها ، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر : ( على لاحب لا يهتدى بمناره ) أي قد جعلهم اللّه من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم ، فهم لا محالة يموتون على الكفر ، ولذلك بيّن حكم الذين يموتون كفارا بعقب الآية ، فبانت منزلة هؤلاء ، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين ، أنهم يموتون كفارا ، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافرا و الضَّالُّونَ المخطئون الطريق القويم في الأقوال والأفعال ، وقرأ عكرمة : « لن نقبل » بنون العظمة « توبتهم » بنصب التاء . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية ، جزم للحكم على كل مواف على الكفر إلى يوم القيامة ، وقرأ عكرمة : « فلن نقبل » بنون العظمة « ملء الأرض » بالنصب ، و « الملء » ما شحن به الوعاء ، فهو بكسر الميم الاسم وبفتحها المصدر ، تقول ملأت الشيء أملؤه ملأ والملء اسم ما ملأت به ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو السمال : « مل » دون همزة ، ورويت عن نافع و ذَهَباً نصب على التمييز ، وقرأ ابن أبي عبلة : « ذهبا لو افتدى » به ، دون واو ، واختلف الناس في هذه الآية في قوله وَلَوِ افْتَدى فقال الطبري : هي متعلقة بمحذوف في آخر الكلام دل عليه دخول الواو ، كما دخلت في قوله وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75 ] لمتروك من الكلام ، تقديره وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات والأرض . قال الفقيه الإمام : وفي هذا التمثيل نظر فتأمله ، وقال الزجّاج : المعنى : لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا « ولو أنفق ملء الأرض ذهبا ولو افتدى » أيضا به في الآخرة لم يقبل منه ، قال : فأعلم اللّه أنه لا يثيبهم على أعمالهم من الخير ، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب . قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا قول حسن ، وقال قوم : الواو زائدة وهذا قول مردود ، ويحتمل أن