ابن عطية الأندلسي
467
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
أبي الحسن : معنى الآية : أنه أسلم قوم طوعا ، وأسلم قوم خوف السيف ، وقال مطر الوراق : أسلمت الملائكة طوعا ، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس ، وأسلم سائر الناس كرها حذر القتال والسيف . قال الفقيه الإمام : وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان ، والآية ظاهرها العموم ، ومعناها الخصوص ، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعا ولا كرها على هذا الحد ، وقال قتادة : الإسلام كرها هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه . قال الفقيه الإمام : ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك ، وهذا غير موجود إلا في أفراد ، والمعنى في هذه الآية ، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة ، والتوقيف بقوله أَ فَغَيْرَ إنما هو لمعاصري محمد صلى اللّه عليه وسلم من الأحبار والكفار ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ، « أصري » ، بضم الألف وهي لغة . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) المعنى : قل يا محمد أنت وأمتك : آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وهو القرآن وأمر محمد صلى اللّه عليه وسلم والإنزال على نبي الأمة إنزال عليها ، وقدم إسماعيل لسنة ، وسائر الآية بين ، ثم حكم تعالى في قوله وَمَنْ يَبْتَغِ الآية بأنه لا يقبل من آدمي دينا غير دين الإسلام ، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء ، وهو الحنيفية السمحة ، وقال عكرمة : لما نزلت قال أهل الملل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون ، فقال اللّه له : فحجهم يا محمد وأنزل عليه وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] فحج المسلمون وقعد الكفار ، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه قال : نزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، إلى قوله وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 62 ] فأنزل اللّه بعدها ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الآية . قال الفقيه الإمام : فهذه إشارة إلى نسخ ، وقوله فِي الْآخِرَةِ متعلق بمقدر ، تقديره خاسر في الآخرة لأن الألف واللام في الْخاسِرِينَ في معنى الموصول ، وقال بعض المفسرين : إن قوله مَنْ يَبْتَغِ الآية ، نزلت في الحارث بن سويد ، ولم يذكر ذلك الطبري . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 86 إلى 89 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 )