ابن عطية الأندلسي
464
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية ، فقال مجاهد والربيع : إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب ، لا ميثاق النبيين ، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود : « وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب » ، قال مجاهد : هكذا هو القرآن ، وإثبات « النبيين » خطأ من الكتاب . قال الفقيه الإمام : وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي اللّه عنه ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : إنما أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ على قومهم ، فهو أخذ لميثاق الجميع ، وقال طاوس : أخذ اللّه ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : ما بعث اللّه نبيا ، آدم فمن بعده ، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره بأخذه على قومه ، ثم تلا هذه الآية ، وقاله السدي : وروي عن طاوس أنه قال : صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله : ثُمَّ جاءَكُمْ مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم . قال الفقيه الإمام أبو محمد : حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية ، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم . وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة : « لما » بكسر اللام ، وهي لام الجر ، والتقدير لأجل ما آتيناكم ، إذ أنتم القادة والرؤوس ، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه ، و « ما » في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة ، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه ، و « من » لبيان الجنس ، وقوله ، ثُمَّ جاءَكُمْ الآية ، جملة معطوفة على الصلة ، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول ، فتقديره عند سيبويه : رسول به مصدق لما معكم ، وحذف تخفيفا كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام ، كما قال تعالى : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [ الفرقان : 41 ] والحذف من الصلات كثير جميل ، وأما أبو الحسن الأخفش ، فقال قوله تعالى : لِما مَعَكُمْ . هو العائد عنده على الموصول ، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه ، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ يوسف : 90 ] لأن المعنى لا يضيع أجرهم ، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر ، وكذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] وكذلك ما ضارع هذه الآيات ، وسيبويه رحمه اللّه لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر ، كما يراه أبو الحسن ، واللام في لَتُؤْمِنُنَّ ، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز . وقرأ سائر السبعة : « لما » بفتح اللام ، وذلك يتخرج على وجهين ، أحدهما أن تكون « ما » موصولة في موضع رفع بالابتداء ، واللام لام الابتداء ، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ وخبر الابتداء قوله لَتُؤْمِنُنَّ ، و لَتُؤْمِنُنَّ متعلق بقسم محذوف ، والمعنى واللّه لتؤمنن ، هكذا قال أبو علي الفارسي ، وفيه من جهة المعنى نظر ، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيدا فتأمل ، والعائد الذي في الصلة ، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة ، أما أن هذا التأويل يقتضي عائدا من