ابن عطية الأندلسي

456

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير ، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة . قال القاضي : إلا أن أحدا في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع ، وقرأ الأعمش ، وشعيب بن أبي حمزة - « إن يؤتى » - بكسر الهمزة بمعنى ، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم ، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي ، ويحتمل أن تكون بمعنى ، إلا أن يحاجوكم ، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له ، فهذا ترتيب التفسير والقراءات على قول من قال : الكلام كله من قول الطائفة . وقال السدي وغيره : الكلام كله من قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ ، إلى آخر الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته ، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى : قل إن الهدى هو هذا الهدى ، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى : أن لا يؤتي أحدا ، وحذفت - لا - لأن في الكلام دليلا عليها ، كما في قوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] أي أن لا تضلوا ، وحكي عن أبي العباس المبرد : لا تحذف لا ، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا ، وكذلك هنا كراهة « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » ، أي ممن خالف دين الإسلام ، لأن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار ، فهدى اللّه بعيد من غير المؤمنين . قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد ، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - « إن يؤتى » - بكسر الألف ، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن اللّه لا يعطي أحدا ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطا ويكون قوله تعالى : أَوْ يُحاجُّوكُمْ على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي ، تحتمل معنيين أحدهما « أو فليحاجوكم عند ربكم » ، يعني اليهود ، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك ، والمعنى الثاني : أن يكون قوله ، أَوْ يُحاجُّوكُمْ بمعنى التقرير والإزراء باليهود ، كأنه قال : أو هل لهم أن يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم اللّه وفضلكم به ؟ وقوله : هُدَى اللَّهِ على جميع ما تقدم خبران . وقال قتادة والربيع : الكلام من قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية ، هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد ، وتقدير الخبر المحذوف أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ، حسدتم وكفرتم ، ويكون قوله أَوْ يُحاجُّوكُمْ محمولا على المعنى ، كأنه قال : أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ؟ أَوْ يُحاجُّوكُمْ على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة ، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد ، فيحتمل أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام ، وذلك هو الظاهر من لفظ قتادة فإنه قال : يقول لما أنزل اللّه كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك ، ويحتمل أن يكون قوله : أَنْ يُؤْتى بدلا من قوله هُدَى اللَّهِ ويكون المعنى : قل إن الهدى هدى اللّه ، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن ، ويكون قوله أَوْ يُحاجُّوكُمْ بمعنى ، أو فليحاجوكم ، فإنه يغلبونكم ، ويحتمل قوله ، أَنْ يُؤْتى خبر - « إن »