ابن عطية الأندلسي

451

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بمنزلة قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ [ البقرة : 85 ] ويحتمل أن يكون هؤُلاءِ بدلا أو صفة ويكون الخبر حاجَجْتُمْ وعلى مذهب الكوفيين حاجَجْتُمْ ، صلة لأولاء والخبر في قوله : فَلِمَ تُحَاجُّونَ ومعنى قوله تعالى : فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي على زعمكم ، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم ، ويكون الدليل العقلي لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت عندهم صحته . قال الفقيه الإمام : وذهب عنه رحمه اللّه أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة ، لأنهم يجدونه عند محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كما كان هنالك على حقيقته ، وباقي الآية بين . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 67 إلى 68 ] ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( 68 ) أخبر اللّه تعالى في هذه الآية ، عن حقيقة أمر إبراهيم ، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان ، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية ، وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة ، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة ، ثم نفى نفيا بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك ، وهذا كما تقول : ما أخذت لك مالا بل حفظته ، وما كنت سارقا ، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ . ثم أخبر تعالى إخبارا مؤكدا أن أولى الناس بإبراهيم الخليل عليه السلام هم القوم الذين اتبعوه على ملته الحنيفية . قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهنا يدخل كل من اتبع الحنيفية في الفترات وَهذَا النَّبِيُّ محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة ، و النَّبِيُّ في الإعراب نعت أو عطف بيان ، أو بدل ، وفي كونه بدلا نظر ، وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وسائر الأنبياء على ما يجب دون المحرفين المبدلين ، ثم أخبر أن اللّه تعالى وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وعدا منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة ، و « الحنيف » مأخوذ من الحنف ، وهو الاستقامة وقيل هو الميل ، ومنه قيل للمائل الرجل أحنف ، فالحنيف من الاستقامة معناه المستقيم ، ومن الميل معناه المائل عن معوج الأديان إلى طريق الحق ، واختلفت عبارة المفسرين عن لفظة الحنيف ، حتى قال بعضهم : الحنيف الحاج ، وكلها عبارة عن الحنف بإجراء منه كالحج وغيره ، وأسند الطبري عن عبد اللّه بن عمر عن أبيه ، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالما من اليهود ، فسأله عن دينه ، وقال له : إني أريد أن أكون على دينكم ، فقال اليهودي : إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب اللّه ، قال زيد : ما أفر إلا من غضب اللّه ولا أحمل من غضب اللّه شيئا أبدا وأنا أستطيع ، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا ؟ قال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا ، قال وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم ، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وكان لا يعبد إلا