ابن عطية الأندلسي

445

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة . قال القاضي أبو محمد : فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكما دنيويا لا فضيلة فيه للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط ، وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى ، نص على ذلك قتادة وغيره ، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين ، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة ، ويظهر من قول ابن جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره وهم الحواريون جعلهم اللّه فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكرا ، فهم فوقهم بالحجة والبرهان ، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان اللّه ، وقوله تعالى ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ الخطاب لعيسى ، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له : ثُمَّ إِلَيَّ ، أي إلى حكمي وعدلي ، يرجع الناس ، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها ، وإذ هي مرادة في المعنى ، وفي قوله تعالى : فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية ، وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين . وقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الآية ، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة ، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل ، وإنما المعنى ، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالأسر والقتل والجزية والذل ، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك ، وقد أبرز الوجود هذا ، وفي الْآخِرَةِ معناه ، بعذاب النار ، ثم ذكر قسم الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيها على درجة الكمال ودعاء إليها ، وقرأ حفص عن عاصم « فيوفيهم » بالياء على الغيبة ، والفعل مسند إلى اللّه تعالى ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم « فنوفيهم » بالنون ، وهي نون العظمة ، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال ، وأما نفس دخول الجنة فبرحمة اللّه وبفضله ، وتقدم نظير قوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ في قوله قبل فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 32 ] . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 58 إلى 61 ] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) ذلِكَ رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء ، و نَتْلُوهُ عَلَيْكَ خبر ابتداء وقوله مِنَ الْآياتِ لبيان الجنس ، ويجوز أن تكون للتبعيض ، ويصح أن يكون نَتْلُوهُ عَلَيْكَ حالا ويكون الخبر في