ابن عطية الأندلسي
43
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
( باب معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه » اختلف الناس في معنى هذا الحديث ، اختلافا شديدا ، فذهب فريق من العلماء إلى أن تلك الحروف السبعة هي فيما يتفق أن يقال على سبعة أوجه فما دونها ، كتعال ، وأقبل ، وإليّ ، ونحوي ، وقصدي ، وأقرب ، وجئ ، وكاللغات التي في أف ، وكالحروف التي في كتاب اللّه فيها قراءات كثيرة ، وهذا قول ضعيف . قال ابن شهاب في كتاب مسلم : « بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا كلام محتمل . وقال فريق من العلماء : « إن المراد بالسبعة الأحرف معاني كتاب اللّه تعالى ، وهي : أمر ، ونهي ، ووعد ، ووعيد ، وقصص ، ومجادلة ، وأمثال . وهذا أيضا ضعيف ، لأن هذه لا تسمى أحرفا ، وأيضا : فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال ، ولا في تحليل حرام ، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة . وحكى صاحب الدلائل عن بعض العلماء ، وقد حكى نحوه القاضي أبو بكر بن الطيب ، قال : تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعة ، منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته ، مثل : هن أطهر ، وأطهر . ومنها ما لا تتغير صورته ، ويتغير معناه بالإعراب ، مثل : ربنا باعد وباعد . ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف ، مثل : نشرها ، وننشزها . ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه كقوله : كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] ، وكالصوف المنفوش ، ومنها ما تتغير صورته ومعناه ، مثل : وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [ الواقعة : 29 ] وطلع منضود ، ومنها بالتقديم والتأخير كقوله : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ ق : 19 ] . وسكرة الحق بالموت . ومنها بالزيادة والنقصان كقوله : « تسع وتسعون نعجة أنثى » . وذكر القاضي أبو بكر بن الطيب في معنى هذه السبعة الأحرف حديثا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن هذا القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف ، نهي ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال ، فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وائتمروا ، وانتهوا ، واعتبروا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه » . قال القاضي أبو محمد : فهذا تفسير منه صلى اللّه عليه وسلم للأحرف السبعة ، ولكن ليست هذه التي أجاز لهم القراءة بها على اختلافها ، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة ، ومنه قوله تعالى :