ابن عطية الأندلسي

404

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

علمه فيستقيم على قوله إخراج الراسخين من علم تأويله ، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح ، بل الصحيح في ذلك قول من قال : المحكم ما لا يحتمل إلا تأويلا واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها ، وهذا هو متبع أهل الزيغ ، وعلى ذلك يترتب النظر الذي ذكرته ، ومن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه فإنما أرادوا هذا النوع وخافوا أن يظن أحد أن اللّه وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال ، وكذلك ذهب الزجاج إلى أن الإشارة بما تشابه منه إنما هي إلى وقت البعث الذي أنكره ، وفسر باقي الآية على ذلك ، فهذا أيضا تخصيص لا دليل عليه ، وأما من يقول ، إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح ، ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس : « إلا اللّه ويقول : الراسخون في العلم آمنا به » ، وقرأ ابن مسعود « وابتغاء تأويله » إن تأويله إلا عند اللّه ، - وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يقولون آمَنَّا بِهِ - والرسوخ الثبوت في الشيء ، وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل أو الشجر في الأرض وسئل النبي عليه السلام عن « الراسخين في العلم » ، فقال : هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام ، وقوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فيه ضمير عائد على كتاب اللّه ، محكمه ومتشابهه ، والتقدير ، كله من عند ربنا ، وحذف الضمير لدلالة لفظ كل عليه ، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة . ثم قال تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي ما يقول هذا ويؤمن به ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل ، و أُولُوا : جمع ذو . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) يحتمل أن تكون هذه الآية حكاية عن الراسخين في العلم ، أنهم يقولون هذا مع قولهم آمَنَّا بِهِ [ آل عمران : 7 ] ويحتمل أن يكون المعنى منقطعا من الأول لما ذكر أهل الزيغ وذكر نقيضهم ، وظهر ما بين الحالتين عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في أن لا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهي أهل الزيغ ، وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم ، إن اللّه لا يضل العباد ، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله و تُزِغْ معناه ، تمل قلوبنا عن الهدى والحق ، وقرأ أبو واقد ، والجراح « ولا تزغ قلوبنا » بإسناد الفعل إلى القلوب ، وهذه أيضا رغبة إلى اللّه تعالى . وقال أبو الفتح : ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسؤول اللّه تعالى ، وقوله الرغبة إلى القلوب غير متمكن ، ومعنى الآية على القراءتين ، أن لا يكن منك خلق الزيغ فيها فتزيغ هي . قال الزجاج : وقيل : إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ منها قلوبنا . قال الفقيه الإمام : وهذا قول فيه التحفظ من خلق اللّه تعالى الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد ، و مِنْ لَدُنْكَ معناه : من عندك ومن قبلك ، أي تكون تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل ، وفي هذا