ابن عطية الأندلسي
390
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
تُخْفُوهُ معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه ، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فبيّن اللّه تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها ، ونص على حكمه أنه لا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] ، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هو أمر غالب ، وليست مما يكسب ولا يكتسب ، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم ، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها . ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم : « قولوا سمعنا وأطعنا » يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف اللّه في الغفران ، فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله عزّ وجل إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 65 ] فهذا لفظ الخبر ولكن معناه : التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك . وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين ، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي « فيغفر » ، « ويعذب » جزما ، وقرأ ابن عامر وعاصم « فيغفر » و « يعذب » رفعا ، فوجه الجزم أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه ، وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم ، ووجه الرفع أنه قطعه من الأول ، وقطعه على أحد وجهين ، إما أن تجعل الفعل خبرا لمبتدأ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ ، وإما أن تعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها ، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة « فيغفر » و « يعذب » بالنصب على إضمار « أن » ، وهو معطوف على المعنى كما في قوله : فَيُضاعِفَهُ * [ الحديد 11 ] وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف يغفر بغير فاء ، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود ، قال ابن جني هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة ، وهذا كقول الشاعر : [ الطويل ] رويدا بني شيبان بعض وعيدكم * تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى * إذا ما غدت في المأزق المتدان فهذا على البدل ، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول . وقوله تعالى : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد ، قال النقاش يغفر لمن يشاء ، أي لمن ينزع عنه ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي من أقام عليه ، وقال سفيان الثوري يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير . قال القاضي أبو محمد : وتعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق ، وقال إن اللّه قد كلفهم أمر الخواطر ، وذلك مما لا يطاق . قال القاضي أبو محمد : وهذا غير بين ، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا تأوله أصحاب النبي صلى اللّه