ابن عطية الأندلسي

380

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليّه بالعدل أمر اللّه تعالى الذي عليه الحق بالإملاء ، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره ، وإذا كتبت الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاء له . وأمره اللّه بالتقوى فيما يملي ونهي عن أن يَبْخَسْ شيئا من الحق ، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة ، وهؤلاء الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا ، ثم ذكر اللّه تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن . فقال فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً وكون الحق يترتب في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك ، والسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها ، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج ، والسفه الخفة ، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة : [ الطويل ] . مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت * أعاليها مرّ الرّياح النّواسم وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي ، وذلك هو وليه ، ثم قال : أَوْ ضَعِيفاً والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة ، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا ، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير ، و وَلِيُّهُ وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر ، و وَلِيُّهُ وكيله ، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء ، والأولى أنه ممن لا يستطيع ، فهذه أصناف تتميز ، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها ، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد ، وربما اجتمعت كلها في شخص ، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق ، وقال بعض الناس : السفيه الصبي الصغير ، وهذا خطأ ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق ، وهذا قول حسن ، وجاء الفعل مضاعفا في قوله : أَنْ يُمِلَّ لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة ، والفك في هذا الفعل لغة قريش . و بِالْعَدْلِ معناه بالحق وقصد الصواب ، وذهب الطبري إلى أن الضمير في وَلِيُّهُ عائد على الْحَقُّ ، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس . قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس ، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين ؟ هذا شيء ليس في الشريعة ، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع أَنْ يُمِلَّ بمرضه إذا كان عاجزا عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز ، فإذا كمل الإملاء أقر به ، وهذا معنى لم تعن الآية إليه ، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض . قوله عزّ وجل : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى الاستشهاد : طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في شَهِيدَيْنِ دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه ،