ابن عطية الأندلسي

379

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

على أربابها فرض بهذه الآية ، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ ، ثم خففه اللّه تعالى بقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ البقرة : 283 ] . وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله : فَإِنْ أَمِنَ ناسخ لأمره بالكتب ، وحكى نحوه ابن جريج ، وقاله ابن زيد ، وروي عن أبي سعيد الخدري ، وقال جمهور العلماء : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب ، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق ، وقال بعضهم : إن أشهدت فحزم ، وإن ائتمنت ففي حل وسعة ، وهذا هو القول الصحيح ، ولا يترتب نسخ في هذا لأن اللّه تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع ، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس ، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك فَلْيُؤَدِّ [ البقرة : 283 ] الآية ، فهذه وصية للذين عليهم الديون ، ولم يجزم تعالى الأمر نصا بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان ، وأما الطبري رحمه اللّه فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج ، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك . واختلف الناس في قوله تعالى : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ فقال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب ، وقال الشعبي وعطاء أيضا : إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب ، وقال السدي : هو واجب مع الفراغ ، وقوله تعالى : بِالْعَدْلِ معناه بالحق والمعدلة ، والباء متعلقة بقوله تعالى : وَلْيَكْتُبْ ، وليست متعلقة ب كاتِبٌ لأنه كان يلزم أن لا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا أقاموا فقهها ، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين ، وقال مالك رحمه اللّه : لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون ، لقوله تعالى وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ثم نهى اللّه تعالى الكتاب عن الإباية ، وأبى يأبى شاذ لم يجئ إلا قلى يقلى وأبا يأبى ، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق ، قال الزجّاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل بفتح العين ، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله وَلا يَأْبَ منسوخ بقوله لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [ البقرة : 282 ] والكاف في قوله كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ متعلقة بقوله : أَنْ يَكْتُبَ المعنى كتبا كما علمه اللّه ، هذا قول بعضهم ، ويحتمل أن تكون كَما متعلقة بما في قوله وَلا يَأْبَ من المعنى أي كما أنعم اللّه عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو ، وليفضل كما أفضل اللّه عليه ، ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله : أَنْ يَكْتُبَ ، ثم يكون قوله : كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ابتداء كلام ، وتكون الكاف متعلقة بقوله فَلْيَكْتُبْ . قال القاضي أبو محمد : وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين ، ولا وجوب الندب ، بل له الامتناع إلا إن استأجره ، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر ، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [ الحج : 77 ] وهو من باب عون الضائع . قوله عزّ وجل : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فإن كان الّذى عليه الحقّ