ابن عطية الأندلسي
375
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم ، فتذهب أموالكم . ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل ، لأن مطل الغني ظلم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم . فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا . وهكذا سنة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أشار على كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر ، فقال كعب : نعم يا رسول اللّه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للآخر : قم فاقضه ، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات ، وقرأ الحسن « ما بقي » بكسر القاف وإسكان الياء ، وهذا كما قال جرير : [ البسيط ] هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم * ماضي العزيمة ما في حكمه جنف ووجهها أنه شبه الياء بالألف ، فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لم تصل هنا إلى الياء ، وفي هذا نظر ، وقرأ أبو السمال من « الرّبو » بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو ، وقال أبو الفتح : شذ هذا الحرف في أمرين : أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما ، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم ، وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل ، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جدا ، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع ، فيقول رأيت ذا قام ، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم ، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي : « فأذنوا » مقصورة مفتوحة الذال ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر : « فآذنوا » ممدودة مكسورة الذال . قال سيبويه : آذنت أعلمت ، وأذنت ناديت وصوت بالإعلام قال : وبعض يجري آذنت مجرى أذنت ، قال أبو علي : من قال : « فأذنوا » فقصر ، معناه فاعلموا الحرب من اللّه ، قال ابن عباس وغيره من المفسرين : معناه فاستيقنوا الحرب من اللّه تعالى . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهي عندي من الإذن ، وإذا أذن المرء في شيء فقد قرره وبنى مع نفسه عليه ، فكأنه قال لهم فقرروا الحرب بينكم وبين اللّه ورسوله ، ملزمهم من لفظ الآية أنهم مستدعو الحرب والباغون بها ، إذ هم الآذنون بها وفيها ، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب وتيقنهم لذلك ، قال أبو علي : ومن قرأ « فآذنوا » فمد ، فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب ، والمفعول محذوف ، وقد ثبت هذا المفعول في قوله تعالى : فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ [ الأنبياء : 109 ] وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة ، قال : ففي إعلامهم علمهم ، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم ، فقراءة المد أرجح ، لأنها أبلغ وآكد قال الطبري : قراءة القصر أرجح لأنها تختص بهم ، وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا ، فإن قيل لهم : « فأذنوا » فقد عمهم الأمر ، وإن قيل لهم : « فآذنوا » بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضا ، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحا لهم في الارتياء