ابن عطية الأندلسي
373
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
حقيقي ، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة ، كما تقول العرب : ملك خالد ، عبارة عن دوام ما لا على التأبيد الحقيقي . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 276 إلى 277 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 277 ) يَمْحَقُ معناه : ينقص ويذهب ، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه ، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفا ، تقول : ربت الصدقة وأرباها اللّه تعالى ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن صدقة أحدكم لتقع في يد اللّه فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله ، أو فلوه ، حتى يجيء يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد » . قال القاضي أبو محمد : وقد جعل اللّه هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم ، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق ، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة ، وقرأ ابن الزبير : « يمحّق اللّه » بضم الياء وكسر الحاء مشددة ، « ويربّي » بفتح الراء وشد الباء ، ورويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم كذلك . وقوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ووصف الكفار ب أَثِيمٍ ، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان ، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار ، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض . قاله ابن فورك قال ومعنى قوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ أي لا يحب الكفار الأثيم . قال القاضي أبو محمد : محسنا صالحا بل يريده مسيئا فاجرا ، ويحتمل أن يريد واللّه لا يحب توفيق الكفار الأثيم . وهذه تأويلات مستكرهة ، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه ، وأما الثاني فغير صحيح المعنى ، بل اللّه تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه ، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به ، وحرص على حفظه ، وتظهر دلائل ذلك ، واللّه تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه ، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد ، وتلك المزية موجودة للمؤمن ، ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين . فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، وقد تقدم تفسير مثل ألفاظ هذه الآية ، وخص الصَّلاةَ و الزَّكاةَ بالذكر وقد تضمنهما عمل الصَّالِحاتِ تشريفا لهما ، وتنبيها على قدرهما ، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن ، والزكاة في أعمال المال .