ابن عطية الأندلسي

367

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

جزم جوابا للشرط ، كأنه قال : وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم ، ثم عطفه على هذا الموضع كما جاء قراءة من قرأ : من يضلل اللّه فلا هادي له ونذرهم [ الأعراف : 186 ] بجزم الراء وأمثلة هذا كثيرة ، وأما نصب الراء فعلى تقدير « إن » وتأمل ، وقال المهدوي هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام . والجزم في الراء أفصح هذه القراءات ، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء . وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى ، و مِنْ في قوله : مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيض المحض ، والمعنى في ذلك متمكن ، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : مِنْ زائدة في هذا الموضع وذلك منهم خطأ ، وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وعد ووعيد . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم ، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام ، وذكر النقاش أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس لك في صدقة المسلمين من شيء » ، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية ، لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعطاه ، ثم نسخ اللّه ذلك بآية إِنَّمَا الصَّدَقاتُ [ التوبة : 60 ] وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات في بني قريظة والنضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا ، فنزلت الآية في ذلك ، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى اللّه عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين ، فقال اللّه : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ قال أبو محمد : وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار إنما هي صدقة التطوع . وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر ، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين . قال ابن المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا ، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ، ولم يذكر خلافا ، وقال المهدوي رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية . قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود عندي ، والهدى الذي ليس على محمد صلى اللّه عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم ، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه ، وليس بمراد في هذه الآية ، ثم أخبر تعالى أنه هو : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يرشده ، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة ، ثم أخبر أن نفقة المرء