ابن عطية الأندلسي

365

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يؤته الحكمة » ، وقرأ الربيع بن خثيم « تؤتي الحكمة من تشاء » بالتاء في « تؤتي » و « تشاء » منقوطة من فوق ، « ومن يؤت الحكمة » بالياء ، وباقي الآية تذكرة بينة وإقامة لهمم الغفلة ، والألباب العقول واحدها لب . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 270 إلى 271 ] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) كانت النذر من سيرة العرب تكثر منها ، فذكر تعالى النوعين ما يفعله المرء متبرعا وما يفعله بعد إلزامه لنفسه ، ويقال : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله « ينذر » بضم الذال « وينذر » بكسرها ، وقوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ قال مجاهد : معناه يحصيه ، وفي الآية وعد ووعيد ، أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق رئاء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلا ولا يجد ناصرا فيه ، ووحد الضمير في يَعْلَمُهُ وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص ، وقوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ الآية ، ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية هي في صدقة التطوع ، قال ابن عباس : جعل اللّه صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ، يقال بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا ، قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ويقوي ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة ، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك ، وقال سفيان الثوري هذه الآية في التطوع ، وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما أنزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر ، وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح ، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل ، قال المهدوي : وقيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به ، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي عليه السلام ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع ، قال أبو محمد : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء ، وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [ البقرة : 274 ] ، وقوله : فَنِعِمَّا هِيَ ثناء على إبداء الصدقة ، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء ، واختلف القراء في قوله فَنِعِمَّا هِيَ ، فقرأ نافع في غير رواية ورش ، وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل « فنعمّا » بكسر النون وسكون « فنعمّا » بكسر النون والعين ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي « فنعمّا » بفتح النون وكسر العين وكلهم شدد الميم ، قال أبو علي من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين ، وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف