ابن عطية الأندلسي
332
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقال السدي : « إن اللّه أرسل إلى شمعون عصا وقال له : من دخل عليك من بني إسرائيل فكان على طول هذه العصا فهو ملكهم ، فقيس بها بنو إسرائيل فكانت تطولهم حتى مر بهم طالوت في بغاء حماره الذي كان يسقي عليه ، وكان رجلا سقاء ، فدعوه فقاسوه بالعصا فكان مثلها ، فقال لهم نبيهم ما قال ، ثم إن بني إسرائيل تعنتوا وحادوا عن أمر اللّه تعالى ، وجروا على سننهم فقالوا : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ، أي لأنه ليس في بيت ملك ولا سبقت له فيه سابقة . وَلَمْ يُؤْتَ مالا واسعا يجمع به نفوس الرجال حتى يغلب أهل الأنفة بماله . قال القاضي أبو محمد : وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر اللّه وقضاؤه السابق ، وأنه مالك الملك ، فاحتج عليهم نبيهم عليه السلام بالحجة القاطعة ، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفائه طالوت ، وأنه زاده بسطة في العلم وهو ملاك الإنسان ، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء ، قال ابن عباس : « كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك ، فلا يبعث نبي إلا من الواحد ولا ملك إلا من الآخر ، فلما بعث طالوت من غير ذلك قالوا مقالتهم » ، قال مجاهد : معنى الملك في هذه الآية الإمرة على الجيش . قال القاضي أبو محمد : ولكنهم قلقوا لأن من عادة من تولى الحرب وغلب أن يستمر ملكا ، و « اصطفى » افتعل ، مأخوذ من الصفوة ، وقرأ نافع « بصطة » بالصاد ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير « بسطة » بالسين ، والجمهور على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف ، وقال بعض المتأولين : المراد علم الحرب ، وأما جسمه فقال وهب بن منبه : إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت . وَاللَّهُ يُؤْتِي . . . . . لما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم في الحجج تمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه ، وهو قوله : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ ، وظاهر اللفظ أنه من قول النبي لهم ، وقد ذهب بعض المتأولين إلى أنه من قول اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والأول أظهر ، وأضيف ملك الدنيا إلى اللّه تعالى ، إضافة مملوك إلى مالك ، و واسِعٌ معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء ، وأما قول النبي لهم : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ فإن الطبري ذهب إلى أن بني إسرائيل تعنتوا وقالوا لنبيهم : وما آية ملك طالوت ؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله إن اللّه قد بعث . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 248 ] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 ) قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها اللّه بملك طالوت وجعلها آية له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم ، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية ، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة ، فإنهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج ، وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وابن زيد والسدي .