ابن عطية الأندلسي

324

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ذلك عليّ ، فلما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة » ، والقنوت السكوت ، وقاله زيد بن أرقم ، وقال : « كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ، فأمرنا بالسكوت » ، وقال مجاهد : « معنى قانتين خاشعين ، القنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح » . قال القاضي أبو محمد : وإحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي اللّه تعالى ، وقال الربيع : « القنوت طول القيام وطول الركوع والانتصاب له » ، وقال قوم : القنوت الدعاء ، و قانِتِينَ معناه داعين ، روي معنى هذا عن ابن عباس ، وفي الحديث : قنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان ، فقال قوم : معناه دعا ، وقال قوم : معناه طوّل قيامه ، ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 239 ] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) أمر اللّه تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت ، وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح ، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحيانا ، فرخص لعبيده في الصلاة رجالا متصرفين على الأقدام ، و رُكْباناً على الخيل والإبل ، ونحوه إيماء وإشارة بالرأس حيث ما توجه ، هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله ، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية ، وأما صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية ، وفرق مالك رحمه اللّه بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن ، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء ، وقوله تعالى فَرِجالًا هو جمع راجل أو رجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل ورجل » بضم الجيم وهي لغة أهل الحجاز ، يقولون مشى فلان إلى بيت اللّه حافيا رجلا ، حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل ، ورجل وأنشد ابن الأعرابي في « رجلان » : [ الطويل ] عليّ إذا لاقيت ليلى بخلوة * أن ازدار بيت اللّه رجلان حافيا ويجمع على رجال ورجيلى ورجالي ورجّالى ورجّالة ورجّال ورجالي ورجلان ورجلة ورجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل ، والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال ، فهذه الآية وقوله تعالى : يَأْتُوكَ رِجالًا [ الحج : 27 ] هما من لفظ الرجلة أي عدم المركوب ، وقوله تعالى شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ [ البقرة : 282 ] فهو جمع اسم الجنس المعروف ، وحكى المهدوي عن عكرمة وأبي مجلز أنهما قرءا « فرجّالا » بضم الراء وشد الجيم المفتوحة ، وعن عكرمة أيضا أنه قرأ « فرجالا » بضم الراء وتخفيف الجيم ، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قرأ « فرجّلا » دون ألف على وزن فعل بضم الفاء وشد العين ، وقرأ جمهور القراء « أو ركبانا » وقرأ بديل بن ميسرة « فرجالا فركبانا » بالفاء ، والركبان جمع