ابن عطية الأندلسي

321

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

جوز عفو الأخ عن نصف المهر ، وقال وأنا أعفو عن مهور بني مرة وإن كرهن ، وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما ، كان عما أو أخا أو أبا وإن كرهت ، وقالت فرقة من العلماء : الذي بيده عقدة النكاح الزوج ، قاله علي بن أبي طالب وقاله ابن عباس أيضا ، وشريح أيضا رجع إليه ، وقاله سعيد ابن جبير وكثير من فقهاء الأمصار ، فعلى القول الأول : الندب لهما هو في النصف الذي يجب للمرأة فإما أن تعفو هي وإما أن يعفو وليها ، وعلى القول الثاني : فالندب في الجهتين إما أن تعفو هي عن نصفها فلا تأخذ من الزوج شيئا ، وإما أن يعفو الزوج عن النصف الذي يحط فيؤدي جميع المهر ، وهذا هو الفضل منهما ، وبحسب حال الزوجين يحسن التحمل والتجمل ، ويروى أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها ، فلما خرج طلقها وبعث إليه بالصداق ، فقيل له : لم تزوجتها ؟ ، فقال : عرضها علي فكرهت رده ، قيل : فلم تبعث بالصداق ؟ قال : فأين الفضل ؟ قال القاضي أبو محمد : ويحتج القائلون بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج ، بأن هذا الولي لا يجوز له ترك شيء من صداقها قبل الطلاق فلا فرق بعد الطلاق . وأيضا فإنه لا يجوز له ترك شيء من مالها الذي ليس من الصداق فماله يترك نصف الصداق ؟ وأيضا فإنه إذا قيل إنه الولي فما الذي يخصص بعض الأولياء دون بعض وكلهم بيده عقدة النكاح وإن كان كافلا أو وصيا أو الحاكم أو الرجل من العشيرة ؟ ، ويحتج من يقول إنه الولي الحاجر بعبارة الآية ، لأن قوله الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ عبارة متمكنة في الولي ، وهي في الزوج قلقة بعض القلق ، وليس الأمر في ذلك كما قال الطبري ومكي من أن المطلق لا عقدة بيده بل نسبة العقدة إليه باقية من حيث كان عقدها قبل ، وأيضا فإن قوله إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ لا تدخل فيه من لا تملك أمرها لأنها لا عفو لها فكذلك لا يغبن النساء بعفو من يملك أمر التي لا تملك أمرها ، وأيضا فإن الآية إنما هي ندب إلى ترك شيء قد وجب في مال الزوج ، يعطي ذلك لفظ العفو الذي هو الترك والاطراح وإعطاء الزوج المهر كاملا لا يقال فيه عفو ، إنما هو انتداب إلى فضل ، اللهم إلا أن تقدر المرأة قد قبضته ، وهذا طار لا يعتد به ، قال مكي : وأيضا فقد ذكر اللّه الأزواج في قوله فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ثم ذكر الزوجات بقوله يَعْفُونَ ، فكيف يعبر عن الأزواج بعد بالذي بيده عقدة النكاح بل هي درجة ثالثة لم يبق لها إلا الولي . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وفي هذا نظر ، وقرأ الجمهور « أو يعفو » بفتح الواو لأن الفعل منصوب ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « أو يعفو الذي » بواو ساكنة ، قال المهدوي : ذلك على التشبيه بالألف ، ومنه قول عامر بن الطفيل : [ الطويل ] فما سوّدتني عامر عن وراثة * أبى اللّه أن أسمو بأمّ ولا أب قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب ، وقد قال الخليل رحمه اللّه : لم يجئ في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا في قولهم عفوة وهو جمع عفو وهو ولد الحمار ، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو المفتوحة فإنها ثقيلة ، ثم خاطب تعالى الجميع نادبا بقوله وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي يا جميع الناس ، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق ، وقرأ أبو نهيك والشعبي « وأن يعفو » بالياء ، وذلك راجع إلى