ابن عطية الأندلسي

319

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

مزاحم على الوجوب ، وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه وشريح وغيرهم على الندب ، ثم اختلفوا في الضمير المتصل ب « متعوا » من المراد به من النساء ؟ ، فقال ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض ، ومندوبة في غيرها ، وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها ، فحسبها ما فرض لها ، ولا متعة لها ، وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة ، وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة ، فقال الزهري : يقضي لها بها القاضي ، وقال جمهور الناس : لا يقضي بها ، قاله شريح ، ويقال للزوج : إن كنت من المتقين والمحسنين فمتع ولم يقض عليه . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا مع إطلاق لفظ الوجوب عند بعضهم ، وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة ، وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة ، وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة ، قال ابن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ ، قال ابن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه ، وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار ، فهذه لا متعة لها ، وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذاك كله فلها المتعة ، لأن الزوج سبب الفراق ، وعليها هي غضاضة في أن لا تختار نفسها . واختلف الناس في مقدار المتعة ، فقال ابن عمر : « أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها » ، وروي أن ابن حجيرة كان يقضي على صاحب الديوان بثلاثة دنانير ، وقال ابن عباس : « أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة » ، وقال عطاء : « من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة » ، وقال الحسن : « يمتع كل على قدره : هذا بخادم ، وهذا بأثواب ، وهذا بثوب وهذا بنفقة » ، وكذلك يقول مالك بن أنس ، ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل ، ومتع شريح بخمسمائة درهم ، وقالت أم حميد بن عبد الرحمن بن عوف : « كأني انظر إلى خادم سوداء متع بها عبد الرحمن بن عوف زوجه أم أبي سلمة » ، وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير ، وقوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ دليل على رفض التحديد ، وقرأ الجمهور « على الموسع » بسكون الواو وكسر السين بمعنى الذي أوسع أي اتسعت حاله ، وقرأ أو حيوة : « الموسّع » بفتح الواو وشد السين وفتحها ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر « قدره » بسكون الدال في الموضعين ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص « قدره » بفتح الدال فيهما ، قال أبو الحسن الأخفش وغيره : هما بمعنى لغتان فصيحتان ، وكذلك حكى أبو زيد ، تقول : خذ قدر كذا وقدر كذا بمعنى ، ويقرأ في كتاب اللّه فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] وقدرها ، وقال : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * [ الأنعام : 91 ] ، ولو حركت الدال لكان جائزا ، و الْمُقْتِرِ : المقل القليل المال ، و مَتاعاً نصب على المصدر وقوله تعالى بِالْمَعْرُوفِ أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين ، فهو تأكيد لمعنى قوله عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ، ثم أكد تعالى الندب بقوله حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي في هذه