ابن عطية الأندلسي
317
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال القاضي أبو محمد : وهذه عندي مواعدة ، وإنما التعريض قول الرجل : إنكم لأكفاء كرام ، وما قدر كان ، وإنك لمعجبة ، ونحو هذا . عزم العقدة عقدها بالإشهاد والولي ، وحينئذ تسمى عُقْدَةَ ، وقوله تعالى : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يريد تمام العدة ، و الْكِتابُ هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة ، سماه كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب اللّه ، كما قال : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ النساء : 24 ] ، وكما قال : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] ، ولا يحتاج عندي في الكلام إلى حذف مضاف ، وقد قدر أبو إسحاق في ذلك حذف مضاف أي فرض الكتاب ، وهذا على أن جعل الكتاب القرآن ، واختلف أهل العلم إن خالف أحد هذا النهي وعزم العقدة قبل بلوغ الأجل . قال القاضي أبو محمد : وأنا أفصل المسألة إن شاء اللّه تعالى ، أما إن عقد في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول : فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء إن ذلك لا يؤبد تحريما ، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل امرأة المفقود ، وقال الجميع : يكون خاطبا من الخطّاب ، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد في العدة وإن فسخ قبل الدخول ، وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما ، وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم ، وقال مالك مرة : يتأبد التحريم ، وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين ، والقولان له في المدونة في طلاق السنة ، وأما إن دخل في العدة فقول عمر بن الخطاب ومالك وجماعة من أصحابه والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل العلم : إن التحريم يتأبد ، وقول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وابن مسعود وإبراهيم وأبي حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء وعبد العزيز بن أبي سلمة : إن التحريم لا يتأبد وإن وطئ في العدة ، بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطبا من الخطاب ، قال أبو حنيفة والشافعي : تعتد من الأول فإذا انقضت العدة فلا بأس أن يتزوجها الآخر ، وحكى ابن الجلاب رواية في المذهب أن التحريم لا يتأبد مع الدخول في العدة ، ذكرها في العالم بالتحريم المجترئ لأنه زان ، وأما الجاهل فلا أعرف فيها خلافا في المذهب . حدثني أبو علي الحسين بن محمد الغساني مناولة ، قال نا أبو عمر بن عبد البر ، نا عبد الوارث بن سفيان ، نا قاسم بن أصبغ ، عن محمد بن إسماعيل ، عن نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها ، فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما ، وقال : « لا تنكحها أبدا » . وجعل صداقها في بيت المال ، وفشا ذلك في الناس ، فبلغ عليا فقال : « يرحم اللّه أمير المؤمنين ، ما