ابن عطية الأندلسي
309
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثا ، فقالت للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن ، ما معه إلا مثل الهدبة » ، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة ، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته » ، فرأى العلماء أن النكاح المحل إنما هو الدخول والوطء ، وكلهم على أن مغيب الحشفة يحل إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قال : « لا يحل إلا الإنزال وهو ذوق العسيلة » ، وقال بعض الفقهاء : التقاء الختانين يحل . قال القاضي أبو محمد : والمعنى واحد ، إذ لا يلتقي الختانان إلا مع المغيب الذي عليه الجمهور ، وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد عليها يحلها للأول ، وخطئ هذا القول لخلافه الحديث الصحيح ، ويتأول على سعيد - رحمه اللّه - أن الحديث لم يبلغه ، ولما رأى العقد عاملا في منع الرجل نكاح امرأة قد عقد عليها أبوه قاس عليه عمل العقد في تحليل المطلقة . قال القاضي أبو محمد : وتحليل المطلقة ترخيص فلا يتم إلا بالأوفى ، ومنع الابن شدة تدخل بأرق الأسباب على أصلهم في البر والحنث . والذي يحل عند مالك - رحمه اللّه - النكاح الصحيح والوطء المباح ، والمحلل إذا وافق المرأة : فلم تنكح زوجا ، ولا يحل ذلك ، ولا أعلم في اتفاقه مع الزوجة خلافا ، وقال عثمان بن عفان : « إذا قصد المحلل التحليل وحده لم يحل ، وكذلك إن قصدته المرأة وحدها » . ورخص فيه مع قصد المرأة وحدها إبراهيم والشعبي إذا لم يأمر به الزوج . وقال الحسن بن أبي الحسن : « إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول » ، وهذا شاذ ، وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان . وقوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما الآية ، المعنى إن طلقها المتزوج الثاني فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول ، قاله ابن عباس ، ولا خلاف فيه ، والظن هنا على بابه من تغليب أحد الجائزين ، وقال أبو عبيدة : « المعنى أيقنا » ، وقوله في ذلك ضعيف ، و حُدُودَ اللَّهِ الأمور التي أمر أن لا تتعدى ، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا لهم ، وإذ هم الذين ينتفعون بما بين . أي نصب للعبرة من قول أو صنعة ، وأما إن أردنا بالتبيين خلق البيان في القلب فذلك يوجب تخصيص الذين يعلمون بالذكر ، لأن من طبع على قلبه لم يبين له شيء ، وقرأ السبعة « يبينها » بالياء ، وقرأ عاصم روي عنه « نبينها » بالنون . وقوله تعالى : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الآية خطاب للرجال لا يختص بحكمه إلا الأزواج ، وذلك نهي للرجل أن يطول العدة على المرأة مضارّة منه لها ، بأن يرتجع قرب انقضائها ثم يطلق بعد ذلك ، قاله الضحاك وغيره ، ولا خلاف فيه ، ومعنى « بلغن أجلهن » قاربن ، لأن المعنى يضطر إلى ذلك ، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك ، ومعنى « أمسكوهن » راجعوهن ، و بِمَعْرُوفٍ قيل هو الإشهاد ، و لا تُمْسِكُوهُنَّ أي لا تراجعوهن ضرارا ، وباقي الآية بيّن .