ابن عطية الأندلسي

301

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وأما سبب الآية فقال ابن جريج : « نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه إذ حلف أن يقطع إنفاقه عن مسطح بن أثاثة حين تكلم مسطح في حديث الإفك » ، وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو بكر أن لا يأكل الطعام ، وقيل : نزلت في عبد اللّه بن رواحة مع بشير بن سعد حين حلف أن لا يكلمه ، واليمين الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاهدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 225 إلى 227 ] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) « اللغو » سقط الكلام الذي لا حكم له ، ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم له من الأيمان ، تشبيها بالسقط من القول ، يقال منه لغا يلغو لغوا ولغى يلغي لغيا ، ولغة القرآن بالواو ، والمؤاخذة هي التناول بالعقوبة ، واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو ، فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي وأبو صالح ومجاهد : لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا واللّه ، وبلى واللّه ، دون قصد لليمين ، وروي أن قوما تراجعوا القول بينهم وهم يرمون بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فحلف أحدهم : لقد أصبت وأخطأت يا فلان ، فإذا الأمر بخلافه ، فقال رجل : حنث يا رسول اللّه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أيمان الرماة لغو لا إثم فيها ولا كفارة » ، وقال أبو هريرة وابن عباس أيضا والحسن ومالك بن أنس وجماعة من العلماء : لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك . قال القاضي أبو محمد : وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظة اليقين تجوزا ، قال مالك : « مثله أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا يشك ، فيحلف ، ثم يجيء غير المحلوف عليه » ، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد اللّه وعروة ابنا الزبير : لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم ، فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه ، وقال سعيد بن جبير مثله ، إلا أنه قال : يكفر ، فأشبه قوله بالكفارة قول من لا يراها لغوا ، وقال ابن عباس أيضا وطاوس : لغو اليمين الحلف في حال الغضب ، وروى ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يمين في غضب » ، وقال مكحول الدمشقي وجماعة من العلماء : لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل اللّه فيقول مالي عليّ حرام إن فعلت كذا ، أو الحلال عليّ حرام ، وقال بهذا القول مالك بن أنس إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه ، وقال زيد بن أسلم وابنه : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى اللّه بصره ، أذهب اللّه ماله ، هو يهودي ، هو مشرك ، هو لغيّة إن فعل كذا ، وقال ابن عباس أيضا والضحاك : لغو اليمين هو المكفرة ، أي إذا كفرت اليمين فحينئذ سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ اللّه بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ، وقال إبراهيم النخعي : « لغو اليمين ما حنث فيه الرجل ناسيا » ، وحكى ابن عبد البر قولا إن اللغو أيمان المكره .