ابن عطية الأندلسي
297
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المومسات منهن ، وروي عن ابن عباس نحو هذا ، وقوله تعالى : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ إخبار أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك ، هذا قول الطبري وغيره ، وقال السدي : نزلت في عبد اللّه بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ، ثم ندم فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره ، وقال : هي تصوم وتصلي وتشهد الشهادتين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هذه مؤمنة . فقال ابن رواحة : لأعتقنّها ولأتزوجنّها ، ففعل ، فطعن عليه ناس فنزلت الآية فيه ، ومالك رحمه اللّه لا يجوز عنده نكاح الأمة الكتابية ، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما ، وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين ، وأبو حنيفة وأصحابه يجيزون نكاح الإماء الكتابيات . وقوله تعالى : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا الآية ، أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام ، والقراء على ضم التاء من تَنْكِحُوا ، وقال بعض العلماء : إن الولاية في النكاح نص في لفظ هذه الآية . وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مملوك خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ حسيب ولو أعجبك حسنه وماله حسبما تقدم ، وليس التفضيل هنا بلفظة خَيْرٌ من جهة الإيمان فقط لأنه لا اشتراك من جهة الإيمان ، لكن الاشتراك موجود في المعاشرة والصحبة وملك العصمة وغير شيء ، وهذا النظر هو على مذهب سيبويه في أن لفظة « أفعل » التي هي للتفضيل لا تصح حيث لا اشتراك . كقولك « الثلج أبرد من النار » ، والنور أضوأ من الظلمة » ، وقال الفراء وجماعة من الكوفيين : تصح لفظة « أفعل » حيث الاشتراك وحيث لا اشتراك ، وحكى مكي عن نفطويه أن لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجابا للأول ونفيا عن الثاني . قال القاضي أبو محمد : وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكر العبد والأمة عبارة عن جميع الناس حرهم ومملوكهم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه » ، وكما نعتقد أن الكل عبيد اللّه ، وكما قال تعالى : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * [ ص : 30 ] ، فكأن الكلام في هذه الآية : ولامرأة ولرجل . وقوله تعالى : أُولئِكَ الإشارة إلى المشركات والمشركين ، أي أنّ صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل ، فهذا كله دعاء إلى النار مع السلامة من أن يدعو إلى دينه نصا من لفظه ، واللّه تعالى يمن بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « والمغفرة » بالرفع على الابتداء ، والإذن العلم والتمكين ، فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن ، لأنك إذا قلت « أذنت كذا » فليس يلزمك أنك أمرت ، و لَعَلَّهُمْ ترجّ في حق البشر ، ومن تذكر عمل حسب التذكر فنجا . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 222 إلى 224 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 )