ابن عطية الأندلسي

290

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت ، لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين ، و قِتالٍ بدل عند سيبويه ، وهو بدل الاشتمال . وقال الفراء : هو خفض بتقدير عن . وقال أبو عبيدة « هو خفض على الجوار » ، وقوله هذا خطأ ، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود « يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه » بتكرير عن ، وكذلك قرأها الربيع والأعمش ، وقرأ عكرمة « عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل » دون ألف فيهما ، و الشَّهْرِ في الآية اسم الجنس ، وكانت العرب قد جعل اللّه لها الشَّهْرِ الْحَرامِ قواما تعتدل عنده ، فكانت لا تسفك دما ولا تغير في الأشهر الحرم ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، وروى جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى ، فذلك قوله تعالى قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، و صَدٌّ مبتدأ مقطوع مما قبله ، والخبر أَكْبَرُ ، و الْمَسْجِدِ معطوف على سَبِيلِ اللَّهِ ، وهذا هو الصحيح . وقال الفراء : صَدٌّ عطف على كَبِيرٌ ، وذلك خطأ ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله وَكُفْرٌ بِهِ عطف أيضا على كَبِيرٌ ، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند اللّه ، وهذا بين فساده ، ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل اللّه لمن أراد الإسلام ومن كفركم باللّه وإخراجكم أهل المسجد عنه كما فعلوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند اللّه . وقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ منسوخ بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، وبقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . وقال عطاء : « لم تنسخ ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم » ، وهذا ضعيف . وقوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ المعنى عند جمهور المفسرين ، والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام ، وقيل : المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون ، أي فعلكم على كل إنسان أشد من فعلنا . وقال مجاهد وغيره : الْفِتْنَةُ هنا الكفر أي كفركم أشد من قتلنا أولئك .