ابن عطية الأندلسي
274
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قابلو أوامره والناهضون بها ، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر ، وإن جعلناه لب التكليف فالنداء ب أُولِي الْأَلْبابِ عام لجميع المكلفين ، واللب العقل ، تقول العرب لببت بضم الباء الأولى ألب بضم اللام ، حكاه سيبويه ، وليس في الكلام فعل يفعل بضم العين فيهما غير هذه الكلمة . وقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية ، الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما يقتضي العتاب والزجر ، و تَبْتَغُوا معناه تطلبون بمحاولتكم . وقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء : إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة ، فأباح اللّه تعالى ذلك ، أي لا درك في أن تتجروا وتطلبوا الربح . وقال مجاهد : « كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون ، فنزلت الآية في إباحة ذلك » . وقال ابن عمر فيمن أكرى ليحج : « حجه تام ولا حرج عليه في ابتغاء الكراء » ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير : « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » . وقوله تعالى : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ أجمع أهل العلم على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس ، فإنه قال : « لا بد أن يأخذ من الليل شيئا ، وأما من وقف بعرفة بالليل فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه » وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة ، ومنه أفاض الرجل في الكلام ، ومنه فاض الإناء ، وأفضته ، ومنه المفيض في القداح ، والتنوين في عرفات على حده في مسلمات ، الكسرة مقابلة للياء في مسلمين والتنوين مقابل للنون ، فإذا سميت به شخصا ترك ، وهو معرف على حده قبل أن تسمي به ، فإن كان عَرَفاتٍ اسما لتلك البقعة كلها فهو كما ذكرناه ، وإن كان جمع عرفة فهو كمسلمات دون أن يسمى به ، وحكى سيبويه كسر التاء من « عرفات » دون تنوين في حال النصب والخفض مع التعريف ، وحكى الكوفيون فتحها في حال النصب والخفض تشبيها بتاء فاطمة وطلحة ، وسميت تلك البقعة عَرَفاتٍ لأن إبراهيم عرفها حين رآها على ما وصفت له ، قاله السدي . وقال ابن عباس : « سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام كان يقول لإبراهيم عليه السلام : هذا موضع كذا ، فيقول قد عرفت » ، وقيل : سميت بذلك لأن آدم عرف بها حواء حين لقيها هناك . قال القاضي أبو محمد : والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع ، وعرفة هي نعمان الأراك ، وفيها يقول الشاعر : تزودت من نعمان عود أراكة * لهند ولكن من يبلغه هندا ؟ و الْمَشْعَرِ الْحَرامِ جمع كله ، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى مأزمي عرفة ، قال ذلك ابن عباس وابن جبير والربيع وابن عمر ومجاهد ، فهي كلها مشعر إلى بطن محسر ، كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ، بفتح الراء وضمها ، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ، والمزدلفة كلها مشعر ، إلا وارتفعوا عن بطن محسر » وذكر هذا عبد اللّه بن الزبير في خطبته ، وفي