ابن عطية الأندلسي

271

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

واختلف الناس في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها ، وقال الطبري : بعد الإجماع على أهل الحرم ، وليس كما قال : فقال بعض العلماء : من كان حيث تجب الجمعة عليه بمكة فهو حضري ، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي . قال القاضي أبو محمد : فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة ، وقال بعضهم : من كان بحيث لا تقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي شاهد ، ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب ، وقال عطاء بن أبي رباح : مكة وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضر والمسجد الحرام . وقال ابن عباس ومجاهد : أهل الحرم كله حاضر والمسجد الحرام ، وقال مكحول وعطاء : من كان دون المواقيت من كل جهة حاضر والمسجد الحرام . وقال الزهري : من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام ، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم ، وحذر من شديد عقابه . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 197 إلى 198 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) وقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ، في الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر ، أو : وقت الحج أشهر ، أو : وقت عمل الحج أشهر ، والغرض إنما هو أن يكون الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه ، والحج ليس بالأشهر فاحتيج إلى هذه التقديرات ، ومن قدر الكلام : الحج في أشهر ، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ، ولم يقرأ بنصبها أحد . وقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو لحجة كله . وقال ابن عباس والشعبي والسدي وإبراهيم : هي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة ، والقولان لمالك رحمه اللّه ، حكى الأخير ابن حبيب ، وجمع على هذا القول الأخير الاثنان وبعض الثالث كما فعلوا في جمع عشر فقالوا عشرون لعشرين ويومين من الثالث ، وكما قال امرؤ القيس : [ الطويل ] ثلاثون شهرا في ثلاثة أحوال فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج ، وعلى القول الآخر ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك . وقوله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي من ألزمه نفسه ، وأصل الفرض الحز الذي يكون في السهام والقسي وغيرها ، ومنه فرضة النهر والجبل ، فكأن من التزم شيئا وأثبته على نفسه قد فرضه ، وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام ، والتلبية تبع لذلك ، و مِنْ رفع بالابتداء ، ومعناها الشرط ، والخبر قوله فَرَضَ لأن مِنْ ليست بموصولة فكأنه قال فرجل فرض ، وقوله فَلا رَفَثَ يحتمل أن يكون الخبر ، وتكون فَرَضَ صفة . وقوله تعالى : فِيهِنَّ ولم يجئ الكلام فرض فيها : فقال قوم : هما سواء في الاستعمال . وقال أبو عثمان المازني : « الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة ، والقليل ليس كذلك ،