ابن عطية الأندلسي
261
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ الآية ، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الهلال وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ؟ ، وجمع الْأَهِلَّةِ وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا في شهر غير كونه هلالا في الآخر ، فإنما جمع أحواله من الهلالية ، والهلال ليلتان بلا خلاف ثم يقمر ، وقيل ثلاث . وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق ، وقيل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع . وقوله : مَواقِيتُ معناه لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد ، ومواقيت الحج أيضا يعرف بها وقته وأشهره ، و مَواقِيتُ لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد ، فهو جمع ونهاية إذ ليس يجمع ، وقرأ ابن أبي إسحاق « والحج » بكسر الحاء في جميع القرآن ، وفي قوله « حج البيت » في آل عمران . قال سيبويه : الحج كالرد والشد ، والحج كالذكر ، فهما مصدران بمعنى ، وقيل : الفتح مصدر والكسر الاسم . وقوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ الآية ، قال البراء بن عازب والزهري وقتادة : سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعا أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل ، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات ، وقيل : كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحا يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب ، وقيل غير هذا مما يشبهه فاختصرته ، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعيّر بذلك ، فنزلت الآية فيه . وقال إبراهيم : « كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز » . وقال السدي : ناس من العرب ، وهم الذين يسمون الحمس ، قال : فدخل النبي صلى اللّه عليه وسلم بابا ومعه رجل منهم ، فوقف ذلك الرجل وقال إني أحمس ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنا أحمس ، ونزلت الآية . وروى الربيع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق عادة قومه ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : لم دخلت وأنت قد أحرمت ؟ ، قال : دخلت أنت فدخلت بدخولك ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : إني أحمس ، أي من قوم لا يدينون بذلك ، فقال الرجل : وأنا ديني دينك ، فنزلت الآية . وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل ، المعنى : ليس البر أن تسألوا الجهّال ولكن اتقوا واسألوا العلماء ، فهذا كما يقال أتيت هذا الأمر من بابه . وقال غير أبي عبيدة : « المعنى ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتون الأمور على غير ما يجب » . قال القاضي أبو محمد : وهذا يحتمل والأول أسدّ ، وأما ما حكاه المهدوي ومكي عن ابن الأنباري