ابن عطية الأندلسي

254

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 185 إلى 186 ] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 ) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 ) الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده ، ورمضان علقه الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر ، وكان اسمه قبل ذلك ناثرا ، كما سمي ربيع من مدة الربيع ، وجمادى من مدة الجمود ، وكره مجاهد أن يقال رمضان دون أن يقال شَهْرُ رَمَضانَ كما قال اللّه تعالى ، وقال : لعل رمضان اسم من أسماء اللّه عزّ وجل . وقرأ جمهور الناس « شهر » بالرفع ، ووجهه خبر ابتداء أي ذلكم شهر ، وقيل : بدل من الصيام ، [ البقرة : 183 ] وقيل : على الابتداء وخبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وقيل : ابتداء وخبره فَمَنْ شَهِدَ ، و الَّذِي أُنْزِلَ نعت له ، فمن قال إن الصِّيامُ في قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هاهنا بالابتداء ، ومن قال : إن الصِّيامُ هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام ، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب « شهر » بالنصب ، ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو ، وهي على الإغراء ، وقيل : نصب ب تَصُومُوا [ البقرة : 184 ] وقيل : نصب على الظرف ، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه . واختلف في إنزال القرآن فيه : فقال الضحاك : أنزل في فرضه وتعظيمه والحض عليه ، وقيل : بدئ بنزوله فيه على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال ابن عباس فيما يؤثر : أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم كان جبريل ينزله رسلا رسلا في الأوامر والنواهي والأسباب ، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين » . وترك ابن كثير همزة الْقُرْآنُ مع التعريف والتنكير حيث وقع ، وقد قيل : إن اشتقاقه على هذه القراءة من قرن ، وذلك ضعيف ، و هُدىً في موضع نصب على الحال من الْقُرْآنُ ، فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ هدى ، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والمحكم كله ، فالألف واللام في الْهُدى للعهد والمراد الأول ، و الْفُرْقانِ المفرق بين الحق والباطل ، و شَهِدَ بمعنى حضر ، و الشَّهْرَ نصب على الظرف ، والتقدير : من حضر المصر في الشهر ، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة « فليصمه » بتحريك اللام ، وكذلك قرءوا لام الأمر في جميع القرآن على أصلها الذي هو الكسر ، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعبيدة السلماني : من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر ، وقال جمهور الأمة : من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيما ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه ، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم