ابن عطية الأندلسي

247

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أبقى ، بباء وقاف ، ويروى أنفى بنون وفاء ، والمعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم به ازدجر من يريد قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا ، وهذا الترتيب مما سبق لهما في الأزل ، وأيضا فكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعية إلى موت العدد الكثير ، فلما شرع اللّه القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال ، فلهم في ذلك حياة ، وخص أُولِي الْأَلْبابِ بالذكر تنبيها عليهم ، لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي ، وغيرهم تبع لهم ، و تَتَّقُونَ معناه القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك فإن اللّه تعالى يثيب على الطاعة بالطاعة ، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد اللّه الربعي « ولكم في القصص » أي في كتاب اللّه الذي شرع فيه القصاص وحكمه ، ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص ، أي إنه قص أثر القاتل قصصا فقتل كما قتل . وقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الآية ، كأن الآية متصلة بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فلذلك سقطت واو العطف ، و كُتِبَ معناه فرض وأثبت ، وقال بعض أهل العلم : الوصية فرض ، وقال قوم : كانت فرضا ونسخت ، وقال فريق : هي مندوب إليها ، و كُتِبَ عامل في رفع الْوَصِيَّةُ على المفعول الذي لم يسم فاعله في بعض التقديرات ، وسقطت علامة التأنيث من كُتِبَ لطول الكلام فحسن سقوطها ، وقد حكى سيبويه : قام امرأة ، ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل ، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل الْوَصِيَّةُ في إِذا لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الْوَصِيَّةُ ، وقد تقدمت فلا يجوز أن يعمل فيها متقدمة ، ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون كُتِبَ هو العامل في إِذا والمعنى توجه إيجاب اللّه عليكم ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبر عن توجه الإيجاب ب كُتِبَ لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ، و الْوَصِيَّةُ مفعول لم يسم فاعله ب كُتِبَ وجواب الشرطين إِذا و إِنْ مقدّر ، يدل عليه ما تقدم من قوله كُتِبَ عَلَيْكُمْ ، كما تقول شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا ، ويتجه في إعرابها أن يكون التقدير : كتب عليكم الإيصاء ، ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر الوصية بعد هو العامل في إِذا ، وترتفع الْوَصِيَّةُ بالابتداء وفيه جواب الشرطين على نحو ما أنشد سيبويه : [ البسيط ] من يفعل الصّالحات اللّه يحفظها أو يكون رفعها بالابتداء بتقدير : فعليه الوصية ، أو بتقدير الفاء فقط ، كأنه قيل : فالوصية للوالدين ، ويتجه في إعرابها أن تكون الْوَصِيَّةُ مرتفعة ب كُتِبَ على المفعول الذي لم يسم فاعله ، وتكون الْوَصِيَّةُ هي العامل في إِذا ، وهذا على مذهب أبي الحسن الأخفش فإنه يجيز أن يتقدم ما في الصلة الموصول بشرطين هما في هذه الآية ، أحدهما أن يكون الموصول ليس بموصول محض بل يشبه الموصول ، وذلك كالألف واللام حيث توصل ، أو كالمصدر ، وهذا في الآية مصدر وهو الْوَصِيَّةُ ، والشرط الثاني أن يكون المتقدم ظرفا فإن في الظرف يسهل الاتساع ، و إِذا ظرف وهذا هو رأي أبي الحسن في قول الشاعر : [ الطويل ] تقول وصكّت وجهها بيمينها * أبعلي هذا بالرّحا المتقاعس