ابن عطية الأندلسي
239
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ضرورية تعطيها هذه الحواس ، أو لا بد في كسبها من الحواس ، وتأمل . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 174 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ ، والآية تشير بتبعيض مِنْ إلى الحرام رزق ، وحض تعالى على الشكر والمعنى في كل حالة ، و إِنْ شرط ، والمراد بهذا الشرط التثبيت وهز النفس ، كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا . وقوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ إِنَّما هنا حاصرة ، و الْمَيْتَةَ نصب بحرم ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع « الميتة » بالتشديد ، وقال الطبري وجماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف من « ميّت » و « ميت » لغتان ، وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه ، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه « ميت » بالتخفيف . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : هكذا هو استعمال العرب ويشهد بذلك قول الشاعر : [ الخفيف ] ليس من مات فاستراح بميت * إنّما الميت ميّت الأحياء استراح : من الراحة ، وقيل : من الرائحة ، ولم يقرأ أحد بالتخفيف فيما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [ إبراهيم : 17 ] ، والمشهور عنه التثقيل ، وأما قول الشاعر : [ الوافر ] إذا ما مات ميت من تميم * فسرّك أن يعيش فجىء بزاد فالأبلغ في الهجاء أن يريد الميت حقيقة ، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشعر ، وقرأ قوم « الميتة » بالرفع على أن تكون ما بمعنى الذي و إِنَّ عاملة ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي « حرّم » على ما لم يسمّ فاعله ورفع ما ذكر تحريمه ، فإن كانت ما كافة فالميتة مفعول لم يسم فاعله ، وإن كانت بمعنى الذي فالميتة خبر . ولفظ الْمَيْتَةَ عموم والمعنى مخصص لأن الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم ، و الْمَيْتَةَ : ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة ، والطافي من الحوت جوّزه مالك وغيره ومنعه العراقيون ، وفي الميت دون تسبب من الجراد خلاف ، منعه مالك وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم ، وقال ابن وهب : إن ضم في غرائر فضمه ذكاته ، وقال ابن القاسم : لا ، حتى يصنع به شيء يموت منه كقطع الرؤوس