ابن عطية الأندلسي
224
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ومجاهد وغيرهما : هو عائد على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أي يعرفون صدقه ونبوته ، والفريق الجماعة ، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم ، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير يَعْرِفُونَهُ * ، فعم الحق مبالغة في ذمهم ، و هُمْ يَعْلَمُونَ ظاهر في صحة الكفر عنادا . وقوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ * ، الْحَقُّ رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق ، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده ، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه الْحَقُّ بالنصب ، على أن العامل فيه يَعْلَمُونَ ، ويصح نصبه على تقدير : الزم الحق . وقوله تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * ، الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد أمته ، وامترى في الشيء إذا شك فيه ، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا ، وأنشد الطبري - شاهدا على أن الممترين الشاكون - قول الأعشى : [ المتقارب ] تدر على اسؤق الممترين * ركضا إذا ما السراب ارجحن ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها ، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري . وقوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ الآية ، الوجهة : فعلة من المواجهة كالقبلة ، وقوله : هُوَ عائد على اللفظ المفرد في « كل » ، والمراد به الجماعات . المعنى : لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه ، قاله الربيع وعطاء وابن عباس ، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة هو مولاها ، وقالت طائفة : الضمير في هُوَ عائد على اللّه تعالى ، والمعنى : اللّه موليها إياهم ، وقالت فرقة : المعنى في الآية أن للكل دينا وشرعا وهو دين اللّه وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها ، وقال قتادة : المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة اللّه موليها إياهم ، وحكى الطبري أن قوما قرءوا وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ بإضافة كل إلى وجهة ، وخطأها الطبري . قال القاضي أبو محمد : وهي متجهة ، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها ، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه ، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع ، وقدم قوله : لِكُلٍّ وِجْهَةٌ على الأمر في قوله : فَاسْتَبِقُوا للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول ، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي اللّه عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن وِجْهَةٌ ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق ، وأيضا فليكمل بناء الهيئة كالجلسة ، قال أبو علي : ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم ، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر . قال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة . قال القاضي أبو محمد : وقد يقال الجهة في الظرف ، وحكى الطبري عن منصور أنه قال : نحن نقرؤها « ولكلّ جعلنا قبلة يرضونها » .